أشغال ندوة علمية حول: “الوساطة الأسرية” مقاربة وقائية وتنموية وعلاجية
قراءات متعددة في الأبعاد الوقائية والتنموية للوساطة الأسرية وآفاق تطويرها في المجتمع
في إطار الدينامية العلمية التي تعرفها سلسلة الدروس القانونية الرمضانية – الدورة الرابعة، واصلـت غرفة التحكيم والوساطة، بشراكة مع المركز المغربي للتكوين والتنمية المستدامة، تنظيم لقاءاتها العلمية التفاعلية الرامية إلى نشر الثقافة القانونية وتعزيز النقاش الأكاديمي حول القضايا المجتمعية الراهنة. وفي هذا السياق، نظمت المنصة ندوة علمية بعنوان “الوساطة الأسرية: مقاربة وقائية وتنموية وعلاجية”، وذلك يوم الأحد 08 مارس 2026 عبر البث المباشر على صفحة المعلومة القانونية، بمشاركة ثلة من الباحثين والطلبة والمهنيين والمهتمين بقضايا الأسرة وتسوية المنازعات.
وقد أطر هذه الندوة الأستاذ حسن رقيق، عضو اتحاد كتاب المغرب، ورئيس لجنة الإرشاد والوساطة الأسرية لدى المركز المغربي للوساطة والتحكيم، ورئيس قطب الوساطة والاستماع لدى الفدرالية المغربية لتوجيه السجينات والمهاجرين، ومدير مكتب الاتحاد العربي للثقافة والإبداع – فرع المملكة المغربية، إضافة إلى كونه محاضرًا ومدربًا في مجال الوساطة والإرشاد الأسري. فيما تولت تسيير أشغال اللقاء الدكتورة فاطمة برتاوش، أستاذة القانون الخاص بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش – جامعة القاضي عياض، والحاصلة على الدكتوراه في التحكيم، حيث أشرفت على إدارة النقاش العلمي وتوجيه مداخلات المشاركين.
وقد استهلت “المسيرة” أشغال الندوة بكلمة افتتاحية رحبت فيها بالحضور، مؤكدة أهمية تناول موضوع الوساطة الأسرية في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع، وما تطرحه من تحديات متزايدة في مجال تدبير النزاعات داخل الأسرة. كما أبرزت أن الوساطة تمثل إحدى آليات العدالة البديلة التي تسعى إلى إيجاد حلول توافقية للنزاعات خارج المساطر القضائية التقليدية، بما يساهم في الحفاظ على الروابط الأسرية وتعزيز ثقافة الحوار والتفاهم.
وخلال عرضه العلمي، قدم “الأستاذ المؤطر” قراءات تحليلية لمفهوم الوساطة الأسرية باعتبارها آلية قائمة على تدخل طرف ثالث محايد يعمل على تسهيل الحوار بين أطراف النزاع ومساعدتهم على التوصل إلى حلول توافقية تراعي مصالح الجميع. وأكد أن الوساطة لا تقتصر على معالجة النزاعات بعد وقوعها، بل يمكن أن تؤدي دورًا وقائيًا من خلال تعزيز ثقافة التواصل داخل الأسرة، كما يمكن أن تمثل مقاربة تنموية تساهم في تطوير العلاقات الأسرية وبناء بيئة قائمة على التفاهم، إلى جانب بعدها العلاجي في معالجة الخلافات القائمة وتقليل آثارها السلبية.
كما توقف عند التجارب العملية المرتبطة بالوساطة الأسرية، حيث استعرض المؤطر بعض الحالات التي تم فيها اللجوء إلى الوساطة لإعادة بناء العلاقة بين الزوجين أو لتدبير الخلافات المرتبطة بالطلاق، مبرزًا الدور المحوري الذي يقوم به الوسيط في إدارة الحوار بين الأطراف وتوجيه مسار التفاوض نحو حلول تحقق مصلحة الأسرة وتحافظ على توازنها.
وتطرق “ضيف الندوة” كذلك إلى تحديات تفعيل الوساطة الأسرية في المغرب، حيث أشار الأستاذ حسن رقيق إلى مجموعة من الإكراهات التي تعيق انتشار هذه الآلية، من بينها بعض الحواجز الثقافية والاجتماعية التي لا تزال تفضل اللجوء المباشر إلى القضاء، إضافة إلى الحاجة إلى مزيد من التأطير المؤسسي والتشريعي لتعزيز حضور الوساطة في منظومة تسوية النزاعات. كما شدد على أهمية الاستثمار في تكوين الموارد البشرية المتخصصة في مجال الوساطة، ونشر الوعي المجتمعي بأهميتها ودورها في الحفاظ على وحدة الأسرة.
وفي سياق النقاش العلمي الذي أعقب العرض، طرح المشاركون مجموعة من التساؤلات المتعلقة بآفاق تطوير الوساطة الأسرية، وإمكانية توظيف الوساطة الرقمية في تدبير بعض النزاعات، فضلاً عن العلاقة بين الوساطة والإجراءات القضائية، خاصة في الحالات التي تتعلق بالعنف أو النزاعات المعقدة التي تستوجب تدخل القضاء.
وقد خلصت أشغال الندوة إلى التأكيد على الأهمية المتزايدة للوساطة الأسرية كآلية فعالة في تدبير النزاعات داخل الأسرة، لما توفره من مقاربة إنسانية قائمة على الحوار والتوافق، بما يساهم في الحد من تفاقم الخلافات والحفاظ على استقرار العلاقات الأسرية. كما تمت الدعوة إلى تعزيز البحث العلمي وتنظيم مزيد من اللقاءات والندوات المتخصصة في هذا المجال، من أجل تطوير الممارسات المهنية المرتبطة بالوساطة وترسيخ ثقافتها داخل المجتمع.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أن تعزيز دور الوساطة الأسرية يظل رهينًا بتكامل الجهود بين الباحثين والمؤسسات والفاعلين المدنيين، في أفق ترسيخ ثقافة الحلول التوافقية ودعم الاستقرار الأسري والاجتماعي. كما شكل هذا اللقاء مناسبة لتجديد الدعوة إلى الانخراط في المبادرات العلمية والتكوينية التي تنظمها منصة المعلومة القانونية ضمن برامجها الرامية إلى نشر المعرفة القانونية وتعزيز الوعي المجتمعي بقضايا العدالة البديلة وتسوية المنازعات.
*****
قديري المكي الخلافة
منسق الندوة