التكلفة المالية للتقاضي وحدود الحق في الولوج إلى العدالة في ضوء ق.م.م الجديد

ندوة علمية تناقش إشكالية التكلفة المالية للتقاضي بين ضمانات الحق في الولوج إلى العدالة ومتطلبات النجاعة القضائية

في إطار البرنامج العلمي لسلسلة الدروس القانونية الرمضانية في دورتها الرابعة، نظمت غرفة التحكيم والوساطة بشراكة مع المركز المغربي للتكوين والتنمية المستدامة درسا قانونيا تناول موضوع: التكلفة المالية للتقاضي وحدود الحق في الولوج إلى العدالة في ضوء مستجدات قانون المسطرة المدنية، وذلك بمشاركة عدد من الطلبة والباحثين والمهتمين، في سياق النقاش الأكاديمي المتنامي حول التحولات التي تعرفها المنظومة الإجرائية بالمغرب.

وقد افتتحت أشغال اللقاء بكلمة تقديمية لمسير الندوة عبد الإله رزاق، الباحث بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس بالرباط، أبرز من خلالها أهمية الموضوع في ظل النقاش الدائر حول إصلاح منظومة العدالة، مؤكدا أن دراسة التكلفة المالية للتقاضي تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها الوثيق بالحق الدستوري في الولوج إلى القضاء، وبالتوازن المطلوب بين متطلبات النجاعة القضائية وضمانات العدالة.

وفي هذا السياق، قدم محمد الغالمي، الباحث بسلك الدكتوراه في القانون الخاص بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، مداخلة علمية تمحورت حول الإشكالات المرتبطة بالكلفة المالية للإجراءات القضائية وانعكاساتها على ممارسة الحق في التقاضي. وقد استهل عرضه بتأطير الإشكالية من خلال التأكيد على أن الحق في اللجوء إلى القضاء يعد من الحقوق الأساسية التي كرسها الدستور، غير أن ممارسته العملية قد تعترضها مجموعة من القيود المرتبطة بطبيعة المساطر القضائية وما يرتبط بها من التزامات مالية.

وفي المحور الأول من مداخلته، توقف المتدخل عند الإطار المفاهيمي والعملي للتكلفة المالية للتقاضي، مبرزا أن هذه التكلفة لا تقتصر على الرسوم القضائية فقط، بل تمتد لتشمل مختلف المصاريف المرتبطة بسير الدعوى، مثل أتعاب المحامين ومصاريف الخبرة والتنفيذ وغيرها من النفقات التي قد تثقل كاهل المتقاضين. كما أكد أن هذه التكاليف قد تؤثر بشكل متفاوت على مختلف الفئات الاجتماعية، خاصة الفئات الهشة أو محدودة الدخل، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة النظام القضائي على ضمان ولوج متكافئ إلى العدالة.

وانتقل المتدخل بعد ذلك إلى المحور الثاني المتعلق بالتمييز بين المجانية القضائية والمصاريف القضائية، حيث أوضح أن مبدأ مجانية التقاضي لا يعني الإعفاء المطلق من جميع التكاليف المرتبطة بالدعوى، وإنما يقصد به أساسا تمكين الأشخاص غير القادرين ماديا من الاستفادة من نظام المساعدة القضائية وفق الشروط التي يحددها القانون. وفي هذا السياق، أبرز أن المشرع سعى من خلال هذا النظام إلى تحقيق نوع من التوازن بين متطلبات تنظيم العمل القضائي وضمان حق الأفراد في اللجوء إلى القضاء.

وفي إطار مقاربة الموضوع من زاوية عملية، خصص المتدخل المحور الثالث لعرض بعض التطبيقات القضائية المرتبطة بتأثير التكلفة المالية على الولوج إلى العدالة، مستحضراً نماذج من قضايا الأسرة، حيث قد تشكل بعض المتطلبات المالية المرتبطة بالإجراءات القضائية عائقاً أمام مباشرة الدعوى أو الاستمرار فيها، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من صعوبات مالية. وقد أبرز من خلال هذه الأمثلة أن الإشكال لا يتعلق فقط بوجود النصوص القانونية، بل يمتد أيضاً إلى كيفية تفعيلها في الواقع العملي.

أما المحور الرابع من المداخلة فقد خصص لمناقشة الإطار القانوني لنظام المساعدة القضائية بالمغرب، حيث أبرز المتدخل أن هذا النظام يشكل إحدى الآليات الأساسية لضمان الولوج إلى العدالة بالنسبة للأشخاص غير القادرين على تحمل مصاريف التقاضي. غير أنه أشار في المقابل إلى مجموعة من التحديات التي يواجهها هذا النظام، من بينها تعقد بعض المساطر المرتبطة بالاستفادة منه، وتعدد النصوص المنظمة له، فضلاً عن الحاجة إلى تحيين بعض مقتضياته بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

كما توقف المتدخل عند بعض المستجدات المرتبطة بمشروع قانون المسطرة المدنية، والتي تروم تحديث المنظومة الإجرائية وتعزيز فعاليتها، مشيراً إلى أن هذه المستجدات تندرج ضمن توجه تشريعي عام يسعى إلى تحقيق مزيد من النجاعة في تدبير القضايا المعروضة على القضاء، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الضمانات الأساسية المرتبطة بحقوق المتقاضين.

وفي ختام مداخلته، أكد الباحث على أهمية تطوير نظام المساعدة القضائية بما يضمن مزيداً من الفعالية في تمكين الفئات الهشة من الولوج إلى القضاء، مقترحاً في هذا الإطار تبسيط الإجراءات المرتبطة بطلب المساعدة القضائية، وتوسيع نطاقها، وتعزيز الشفافية في تدبيرها، فضلاً عن التفكير في إدماج آليات التحول الرقمي لتسهيل الولوج إلى خدماتها.

وقد أعقب العرض العلمي فتح باب النقاش، حيث تفاعل المتدخل مع مجموعة من التساؤلات المرتبطة بتحمل المصاريف القضائية في الخصومات المدنية، موضحاً أن القاعدة العامة تقضي بتحمل الطرف الخاسر لمصاريف الدعوى، مع إمكانية توزيعها بين الأطراف وفق ما تراه المحكمة مناسباً بحسب ظروف القضية.

كما تناول النقاش إمكانات الرقمنة في تطوير نظام المساعدة القضائية وتبسيط مساطر الاستفادة منها، حيث تمت الإشارة إلى بعض التجارب المقارنة التي اعتمدت المنصات الرقمية لتقديم خدمات المساعدة القانونية، مع التأكيد على ضرورة مراعاة التحديات المرتبطة بالفجوة الرقمية وبعض الإكراهات الاجتماعية التي قد تحول دون استفادة بعض الفئات من هذه الخدمات.

وقد شكل هذا اللقاء العلمي مناسبة لتعميق النقاش الأكاديمي حول إحدى الإشكالات المهمة المرتبطة بإصلاح منظومة العدالة، كما أتاح للباحثين والطلبة والمهتمين بالشأن القانوني فرصة تبادل الرؤى والأفكار حول الأبعاد القانونية والعملية للتكلفة المالية للتقاضي، في أفق الإسهام في تطوير التفكير القانوني وتعزيز الوعي بأهمية ضمان الولوج العادل إلى العدالة.

 

قد يعجبك ايضا