كتابة النيابة العامة؛ القلب النابض لمؤسسة النيابة العامة بالمحاكم المغربية
لا يختلف اثنان عن الدور والمجهود الكبيرين الذي تقوم به النيابات العامة على مستــــوى محاكم المملكة[1]، وذلك بدءا بإنجاز الأبحاث والتحريات والتأكد من توفر عناصر الجريمة، ثم بعدها تحريك الدعوى العمومية ومراقبة سيرها الى غاية صدور الحكم وتنفيذه[2].
وبما أن النيابة العامة سلطة قضائية فهي ممثلة المجتمع، وضامنة لحقوق أفراده وحرياتهم، كما أنها خصم شريف لا يمكن تجريحه أو الطعن في مصداقيته، ودائما ما تسعى الى البحث عن مرتكبي الجــرائم وإحالتهم على الجهات القضائية المختصة لمحاكمتهم طبقا للقانون، وفق كافة الضمانات المخولة لهم وفي احتــرام تـام لحقوقهم وكرامتهم، أو تفعيل مقتضيات مسطرة الصلح معهم متى توفرت شروطها؛ وفي هذا الإطار فقد نصت المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية على مايلي: يعتبر الصلح بديلا عن الدعوى العمومية إذا توفرت شروط إقامتها ولا يمس بقرينة البراءة… [3]؛ وهي بذلك تسهر على حماية حقوق الأفراد والممتلكات وتهدف الى التصدي للجريمة بمختلف أنواعاها ومنع الإفلات من العقاب .
وإذا سلمنا بمجهودات النيابة العامة في هذا الإطار كجسم قضائي موحد، فإن عملها لن يكتمل أبدا إن لم تشرك في صلبه كتابة النيابة العامة التي تعتبر قلبا نابضا لها، و جزء لا يتجزأ من هيئة كتابة الضبط[4].
وخلافا لما يظهر لعموم الناس بأن النيابة العامة[5] وحدها من تنفذ الإجراءات وترد على تظلمات المشتكين وتقضي أغراض المرتفقين؛ والحال أن داخل جهازها موظفين وأطر تابعين لوزارة العدل مجندين للعمل دون كلل أو ملل، منفذين لما يسطره قضاة النيابة العامة من قرارات وتعليمات بشأن مختلف المسائل المعروضة عليها من محاضر وشكايات وملفات وغير ذلك.
فلو افترضنا جدلا غياب أطر كتابة النيابة العامة عن أماكن عملهم لأدى ذلك حتما الى شل عمل النيابة العامة، وتعطيل دورها، كما ستظل مجهوداتها حبرا على ورق، ولن تجد من يعكس ذلك الى واقع يمشي على رجليه.
كما أن مد مرتفقيها من أشخاص عاديين أو محامين أوعدول أو غيرهم من مساعدي القضاء بالمعلومات اللازمة وتنويرهم بمآل حقوقهم أو حقوق موكليهم سيظل حبيس الجدران، مما سيعصف بمبدأ نجاعة الأداء والحق في الحصول على المعلومة وذلك كله طبعا على حساب مصلحة المواطنين.
ولذلك حري بنا أن نقدر الأدوار المختلفة التي يقوم بها أطر كتابة النيابة العامة في سبيل خدمة المرتفقين عموما وتكملة للدور الذي يلعبه قضاة النيابة العامة بها.
ويأتي في سياق الحديث عن أهمية جهاز كتابة النيابة العامة داخل محاكم المملكة المغربية ذكر بعض من المكاتب و المهام التي تقوم بها على مستوى المحاكم الابتدائية ونذكر على سبيل المثال :
1/ شعبة الشكايات[6]؛
من بين المكاتب الموجودة بجناح النيابة العامة نجد مكتب الشكايات الذي يعتبر من بين مكاتب الواجهة، بحيث يقوم الموظف المكلف بشعبة الشكايات بكتابة النيابة العامة بتدبير هذه الشعبة عن طريق تلقي مختلف الشكايات الواردة على النيابة العامة وتسجيلها والعمل على احالتها على السيد وكيل الملك لدراستها واتخاذ القرار المناسب بشأنها.
وفي هذا الصدد وتيسيرا للإجراءات الإدارية تقدم الشكايات محررة وتتضمن هوية الطرفين
{ المشتكي + المشتكى به/بهم }، وعناوينهم وكل المعلومات التي قد تفيد في البحث مع عرض مقتضب للوقائع موضوع الشكاية، كما يمكن ارفاق الشكاية بكل وثيقة أو تسجيل أو صور أو شواهد طبية وكل ما قد يراه المشتكي يصب في مصلحته، مع استحضار امكانية تقديم الشكاية في مواجهة شخص مجهول.
بعد وضع الشكاية في شكل ثلاث نسخ يتم التأشير عليها بوضع طابع المكتب وتاريخ تسجيلها، تسلم نسخة منها الى الجهة المشتكية تحمل نفس البيانات.
تتم دراسة الشكايات من قبل السيد وكيل الملك أو أحد نوابه ليتخذ بشأنها ما يراه ملائما؛ بحيث يتم حفظ الشكايات التي يخرج موضوعها عن الطابع الزجري أو التي لا تتوفر على وسائل اثبات كافية أو لكون المشتكى به مجهول ،أو لسبقية البت، أو لخطأ الضحية أو حفاظا على الروابط الاجتماعية وكذا العائلية، أو للتنازل …إلخ بقرار يمكن دائما التراجع عنه[7].
أما إذا تبين استوفاء الشكاية لشروطها فإنها تحال على الشرطة القضائية المختصة مرفقة بتعليمات النيابة العامة من أجل البحث والقيام بالمطلوب ورد الناتج في شكل محاضر قانونية، أو ربط الاتصال أثناء البحث بالنيابة العامة المختصة لتلقي التعليمات المناسبة.
بعد انتهاء البحث، تحيل الضابطة القضائية المحاضر على مكتب الضبط[8] المتواجد بالنيابة العامة الذي بدوره يحيل المحاضر على شعبة الشكايات من أجل ضمها لمساطرها المرجعية وتضمينها بالنظام المعلوماتي كمحاضر جوابية ثم احالتها على السيد وكيل الملك للدراسة.
يترتب عن المحاضر المنجزة بعد اتمام البحث وتنفيذ جميع تعليمات السيد وكيل الملك قرار إما بحفظها كونها لم تأتي بشيء يستوجب المتابعة[9]، أو العمل على تقديم[10] المشتبه فيه -فيهم- أمام أنظار النيابة العامة لخطورة الفعل أو جسامة الضرر، أو العمل على إحالة الشكاية مع البحث المنجز على نيابة عامة أخرى لكونها صاحبة الإختصاص[11] تسهيلا لإجراءات البحث والمتابعة.
2/ شعبة المحاضر العادية :
يعمل الموظف المكلف بشعبة المحاضر العادية على تسجيل المحاضر التي يحيلها عليه مكتب الضبط الإداري بالنظام المعلوماتي وذلك بإعطاء كل محضر رمزه الخاص به، ونجد من بين أنواع المحاضر التي ترد على هذه الشعبة؛ محاضر مخالفات قانون التعمير، محاضر المخدرات، المحاضر المتعلقة بالإخلال بشروط النظافة، محاضر عدم تقديم أو انجاز بطاقة التعريف الوطنية، محاضر محاربة المخدرات، محاضر الغش في الأسعار، محاضر مخالفات الغابة، محاضر قمع الغش……إلخ.
وللإشارة فإن النظام المعلوماتي يخول رموز خاصة بكل نوع من أنواع المحاضر وذلك بالنظر لموضوعها، ويحتم على الموظف الذي يسجل المحضر أن يحترم نوع الرمز الموافق لموضوعه ؛ مما يساعد بالدرجة الأولى في معرفة واحصاء نوع القضايا الواردة على النيابة العامة وعددها بشكل دقيق ومفصل، وأيضا حتى يكون هناك نوع من التنظيم على المستوى العملي.
وكما هو الشأن بالنسبة للشكايات؛ فإن المحاضر المسجلة من قبل الموظف المكلف بهذه الشعبة يقوم بإحالتها على السيد وكيل الملك للدراسة واتخاذ القرار الملائم، الذي لا يخرج عن الحفظ إذا ظهرت مبرراته، أو المتابعة متى وجدت عناصر كافية للمتابعة، أو احالتها على نيابة عامة أخرى في إطار الإختصاص، أو إرجاعها للضابطة القضائية قصد تعميق البحث .
وأيا كان نوع القرار المتخذ من قبل السيد وكيل الملك أو أحد نوابه، فإنه بمجرد اتخاذه وإرجاع المحاضر التي تمت دراستها للمكتب المعني، يقوم موظف كتابة النيابة العامة بتضمينه بالنظام المعلوماتي كما هو مسطر من قبل قاضي النيابة العامة مما يتيح امكانية اطلاع الأطراف على القرار المتخذ الكترونيا ودون تحمل عناء التنقل الى المحكمة.
3/ مكتب الضبط :
يمثل مكتب الضبط بجناح النيابة العامة على صعيد كل المحاكم بمثابة القناة الرابطة بين مختلف المتدخلين من سلطة محلية، درك ملكي، أمن وطني… وبين النيابة العامة؛ إذ لا يمكن التعامل مع هذه الأخيرة بطريقة كتابية إلا عن طريق مرور هذه الإرساليات والمحاضر وغيرها عبر هذا المكتب.
فمن جهة يقوم الموظف المكلف بمكتب الضبط بتسلم جميع المحاضر والإرساليات الواردة على السيد وكيل الملك مع وضع تاريخ التسلم، ويعمل على فرزها حسب اختصاص كل شعبة؛ فإذا كانت المحاضر الواردة متعلقة بأحكام قانون السير أحالها على شعبة السير، وإذا كانت محاضر عادية أحالها على شعبة المحاضر، أما إذا ارتبطت المحاضر بشكايات سجلت بالنيابة العامة مباشرة أحالها على شعبة الشكايات على اعتبار أنها محاضر جوابية بناء على شكايات …
ومن جهة أخرى يحرص المكلف بمكتب الضبط بتسجيل جميع المراسلات الصادرة الى الشرطة القضائية قصد تنفيذ التعليمات الكتابية والقيام بالمطلوب مع بيان تاريخ الإحالة والجهة المحال عليها؛ وبالتالي يعد هذا المكتب المرآة العاكسة لما يتخذ من قرارات بشأن المحاضر والشكايات ويوجهها الى الجهات المختصة.
ويظل الحديث عن الدور المحوري والمهم الذي تقوم به كتابة النيابة العامة قائما ولا ينتهي، لما تشكله من دينامية وانسيابية في الإجراءات على مؤسسة النيابة العامة بمحاكم المملكة، وإن ذكر بعض من المهام التي يقوم بها أطر الإدارة القضائية بهذا الجناح إنما يشكل غيض من فيض، نظرا لكثرة المهام المنوطة بأطرها.
مما يحتم على القائمين على شؤون جهاز كتابة الضبط العناية بهم بإعتبارهم فاعلا أصليا ومباشرا في صناعة العدالة وخدمة أصحابها.
[1] مع استثناء المحاكم الابتدائية الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية التي تتوفر على المفوض الملكي بدل النيابة العامة.
[2] ناهيك عن ما خوله القانون للنيابة العامة من صلاحيات سواء خلال البحث أو بعده كسحب جواز السفر وإغلاق الحدود ، ارجاع الحالة الى ماكانت عليه ، الإخضاع للمراقبة القضائية وغيرها من التدابير القضائية.
[3] القانون 03.23 الصادر بتنفيذه الظهير رقم 1.25.55 الصادر بتاريخ 19 من صفر 1447 { 13 غشت 2025 } منشور بالجريدة الرسمية عدد 7437 بتاريخ 08 شتنبر 2025.
[4] يعمل موضفو هيئة كتابة الضبط تحت وصاية وزارة العدل كما يخضعون لسلطة المسؤولين القضائيين بالمحاكم فيما يخص مباشرة الإجراءات والأعمال القضائية، ويعتبر المرسوم رقم 2.24.955 الصادر في 18 من ربيع الثاني 1446 {22 اكتوبر 2024} بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.11.473 بتاريخ 15 من شوال 1432 {14 سبتمبر 2011} بمثابة النظام الأساسي الخاص بهيئة كتابة الضبط.
[5] ممثلة في وكيل الملك أمام المحاكم الابتدائية والوكيل العام للملك أمام محاكم الاستئناف ومحكمة النقض.
[6] ويمكن تصنيف أنواع الشكايات بحسب موضوعها الى:
1_شكايات عادية، 2_شكايات اهمال الأسرة، 3_شكايات الشيك، 4_شكايات انتخابية، 5_شكايات السجناء، 6_شكايات في مواجهة ممارسي المهن القانونية والقضائية…
[7] تنص المادة 40 من قانون المسطرة الجنائية على مايلي: …. يحيل ما يتلقاه من محاضر وشكايات ووشايات وما يتخذه من اجراءات بشأنها الى هيئات التحقيق او هيئات الحكم المختصة او يأمر بحفظها بقرار يمكن دائما التراجع عنه…
[8] يتواجد مكتب الضبط بالنيابة العامة بكل محكمة يديره موظف ينتمي لوزارة العدل.
[9] إذا تقرر حفظ الشكاية لسبب من الأسباب التي أتى بها البحث المنجز، فإنه يتعين على السيد وكيل الملك اشعار الجهة المشتكية أو دفاعها بهذا القرار خلال 15 يوما من تاريخ اتخاذه.
[10] يكون تقديم المشتبه فيه/م أمام النيابة العامة إما في حالة سراح أو في حالة اعتقال ويتم استنطاقه من قبل السيد وكيل الملك الذي يقرر في وضعيته بعد دراسة محضر التقديم.
[11] كما يمكن لوكيل الملك إحالة الشكاية على النيابة العامة المختصة فور تقديمها له وقبل البحث فيها من طرف الضابطة القضائية إذا تبين له علة الإختصاص.