تقرير: الملتقى العلمي الدولي الثاني حول “القانون الرقمي والتحكيم” الرباط 9-10 ماي 2026

تقرير حول أشغال الملتقى العلمي الدولي للقانون والتكنولوجيا

في نسخته الثانية، في موضوع خاص تحت عنوان:

“القانون الرقمي والتحكيم”

في مدينة الرباط، يومي السبت والأحد 9 و10 ماي 2026

 

 

في إطار أنشطتها الرامية إلى الإسهام في نشر الثقافة القانونية، وتقريب المعرفة المتخصصة، وتعزيز البحث العلمي والتكوين المستمر، وخلق فضاءات للحوار والتشبيك بين الباحثين والمهنيين والمهتمين بالشأن القانوني، ووفاءً لرسالتها الهادفة إلى مواكبة التحولات القانونية المعاصرة وربط المعرفة الأكاديمية بالحاجات المهنية المتجددة، نظمت غرفة التحكيم والوساطة، بتعاون مع منصة المعلومة القانونية (alkanoun.info) باعتبارها منصة علمية رقمية متخصصة في نشر العلوم القانونية، وتيسير الوصول إلى مصادر المعرفة القانونية والملتقيات والأبحاث والدراسات، الملتقى العلمي الدولي في نسخته الثانية في موضوع خاص تحت عنوان: «القانون الرقمي والتحكيم»، وذلك بمدينة الرباط يومي 9 و10 ماي 2026، بصيغة حضور مختلط (Hybrid) جمعت بين المشاركة الحضورية والمشاركة عن بعد داخل إطار علمي موحد.

ويأتي تنظيم هذا الموعد العلمي امتداداً لرؤية تروم الإسهام في بناء فضاءات علمية متخصصة، تجمع بين التأصيل الأكاديمي والانفتاح على الممارسة المهنية، وتسعى إلى مواكبة التحولات التي يشهدها المجال القانوني في ظل التطور الرقمي المتسارع، من خلال تشجيع النقاش العلمي حول القضايا القانونية الصاعدة، وتعزيز الوعي بأهمية تحديث أدوات العدالة الاتفاقية وآليات تدبير وتسوية المنازعات.

وقد جاء اختيار موضوع القانون الرقمي والتحكيم استجابةً للتحولات العميقة التي تعرفها البيئة القانونية المعاصرة، حيث لم تعد الرقمنة مقتصرة على تحديث وسائل العمل أو تسريع الإجراءات، بل أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في طرق إنتاج القاعدة القانونية، ووسائل الإثبات، وآليات إدارة النزاعات، وأنماط التفاعل داخل المنظومة القانونية الحديثة. ومن هذا المنطلق، شكل الملتقى فضاءً للنقاش المتخصص حول تقاطع القانون الرقمي مع التحكيم والوساطة، واستشراف مستقبل العدالة الاتفاقية في ظل الثورة التكنولوجية المتسارعة.

وانطلقت أشغال الملتقى في أجواء اتسمت بالتفاعل العلمي وتنوع الخلفيات الأكاديمية والمهنية للمشاركين، حيث عكست المداخلات والنقاشات وعياً متزايداً بأهمية مواكبة التحولات الرقمية داخل المجال القانوني، وبالحاجة إلى تطوير آليات العدالة الاتفاقية بما ينسجم مع متطلبات السرعة والمرونة والكفاءة التي تفرضها البيئة الرقمية. كما أتاح اعتماد صيغة المشاركة المختلطة توسيع فضاء الحوار العلمي وتعزيز تبادل التجارب والخبرات داخل إطار معرفي مشترك.

وحيث جرت أشغال هذا الملتقى تحت إشراف الدكتورة “زهيرة فونتير”، الخبيرة في التحكيم والقانون الرقمي، كما عرفت مشاركة ثلة من الباحثين والمحكمين ورجال القانون والمتخصصين، إن على المستوى الوطني أو على المستوى الدولي، مما أسهم في إثراء النقاش العلمي وتعزيز تبادل الرؤى والخبرات حول القضايا المرتبطة بالقانون الرقمي والتحكيم.

ومن خلال مضامين الأشغال، برز أن الملتقى لم يكن مناسبة لعرض موضوعات قانونية متجاورة، بل اتجه نحو بناء تصور متكامل حول التحولات التي يعرفها القانون تحت تأثير التكنولوجيا، وانعكاساتها على آليات تسوية المنازعات. وقد تمحور النقاش حول سؤال جوهري يرتبط بحدود قدرة الأدوات الرقمية على تطوير العدالة الاتفاقية، مع الحفاظ على الضمانات الأساسية المرتبطة بالحياد والشفافية والسرية والمشروعية الإجرائية.

وقد بُنيت أشغال الملتقى حول أربعة محاور مترابطة شكلت في مجموعها نسقاً معرفياً متكاملاً. تناول المحور الأول القانون الرقمي والتكنولوجيا القانونية (Legal Tech & Digital Law) باعتباره الإطار العام الذي يحكم الممارسات القانونية الناشئة داخل البيئة الرقمية، بما يشمله من قضايا المعاملات الإلكترونية، والإثبات الرقمي (e-evidence)، وتداول البيانات، والأمن القانوني في الفضاء الرقمي. وقد أبرزت المناقشات المرتبطة بهذا المحور أن القانون الرقمي لم يعد مجالاً فرعياً محدوداً، بل أصبح يؤثر بصورة مباشرة في مختلف فروع القانون ويعيد تشكيل أدواته التقليدية.

أما المحور الثاني فقد تناول التحكيم (Arbitration) بوصفه إحدى الآليات الأكثر قابلية للتفاعل مع التحولات الرقمية، سواء من خلال تبسيط الإجراءات، أو اعتماد تبادل الوثائق إلكترونياً (e-filing)، أو تنظيم الجلسات عن بعد (virtual hearings). وقد أظهرت النقاشات أن التحكيم يشهد انتقالاً تدريجياً نحو أنماط أكثر مرونة، بما يفرض إعادة قراءة متطلبات الكفاءة والسرعة والسرية في ضوء المستجدات التقنية.

وفي امتداد لهذا الطرح، خصص المحور الثالث لموضوع الوسائل البديلة لحل المنازعات (Alternative Dispute Resolution – ADR)، من خلال مناقشة التحولات التي تعرفها الوساطة والتحكيم بفعل تطور الأدوات الرقمية والمنصات الإلكترونية، وظهور نماذج جديدة لحل النزاعات عبر الإنترنت (Online Dispute Resolution – ODR). وقد أبرزت الأشغال أن أهمية هذه المقاربات لا تكمن فقط في تعزيز النجاعة الإجرائية، بل أيضاً في قدرتها على توسيع الولوج إلى العدالة الاتفاقية مع الحفاظ على الثقة القانونية وضمانات الإجراءات.

أما المحور الرابع فقد تناول التحكيم المعزز بالذكاء الاصطناعي (AI-enhanced arbitration)، وهو من أكثر الموضوعات راهنية في النقاش القانوني المعاصر. وقد تم التطرق إلى إمكانات الذكاء الاصطناعي في إدارة الملفات، وتحليل الوثائق، ودعم البحث القانوني، والمساعدة في صياغة المخرجات، مع التأكيد على أن استعمال هذه الأدوات يظل رهيناً باحترام مبادئ الشفافية (Transparency) والمساءلة (Accountability) وحماية البيانات (Data Privacy) وضمان سلامة الإجراءات (Due Process).

وقد برزت القيمة الأساسية للملتقى في الترابط المنهجي بين هذه المحاور، إذ لم تُطرح بوصفها موضوعات منفصلة، وإنما ضمن مسار معرفي يبدأ بالقانون الرقمي كإطار عام، ويمر عبر التحكيم باعتباره مجالاً تطبيقياً، ثم الوسائل البديلة كأفق للتطوير، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تطرح أسئلة جديدة حول مستقبل العدالة الاتفاقية. وقد منح هذا البناء للنقاش بعداً استشرافياً تجاوز العرض النظري نحو التفكير في النماذج القانونية الممكنة داخل البيئة الرقمية.

كما أبرزت النقاشات أن التحدي الحقيقي لا يكمن في قبول الرقمنة من حيث المبدأ، بل في القدرة على تدبير آثارها القانونية والإجرائية والأخلاقية. فبينما تتيح التكنولوجيا إمكانات مهمة لتقليص الزمن الإجرائي وتحسين الولوج إلى العدالة وتخفيض الكلفة، فإنها تثير في المقابل إشكالات ترتبط بسرية البيانات، وموثوقية الأنظمة، وحدود الاعتماد على الخوارزميات، وآليات الرقابة على المخرجات المدعومة تقنياً.

وفي هذا السياق، انسجم موضوع الملتقى مع التحولات التشريعية والتنظيمية التي يشهدها مجال التحكيم والوساطة، ومع الحاجة المتزايدة إلى تطوير الممارسة القانونية بما يستجيب لمتطلبات البيئة الرقمية المتغيرة. وهو ما جعل الملتقى يتجاوز وظيفة النقاش العلمي إلى الإسهام في بناء وعي قانوني أكثر ارتباطاً بالتحولات المهنية والتقنية الراهنة.

وخلصت أشغال الملتقى، في مجملها، إلى أن مستقبل التحكيم والوساطة الاتفاقية أصبح مرتبطاً بدرجة كبيرة بمدى القدرة على استيعاب التحول الرقمي وتوظيف أدواته ضمن أطر قانونية وأخلاقية واضحة. كما أكدت أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما بديلاً عن العنصر البشري، بل أدوات داعمة يمكن أن تعزز الكفاءة وتحسن التدبير متى تم تأطيرها بصورة تضمن العدالة والثقة والشفافية.

وعليه، فقد مثلت هذه الدورة محطة علمية ساهمت في تعميق النقاش حول العلاقة بين القانون والتكنولوجيا، وفي إبراز الحاجة إلى تطوير مقاربات قانونية أكثر قدرة على التفاعل مع البيئة الرقمية، بما يعزز بناء نماذج أكثر مرونة ونجاعة في مجال العدالة الاتفاقية وتسوية المنازعات، ويؤكد أهمية استمرار المبادرات العلمية التي تجمع بين البحث والتكوين والانفتاح على الأسئلة القانونية المستقبلية.

 

حرر من طرف “ذة/ بشرى الحكيمي” عضو اللجنة المنظمة ومقررة الملتقى العلمي الدولي للقانون  والتكنلوجيا، الدورة الثانية في موضوع  خاص تحت عنوان: “القانون الرقمي والتحكيم”، بمدينة الرباط، يومي 9 و10 ماي 2026

قد يعجبك ايضا