تقرير: الندوة العلمية حول تقليص الفوارق المجالية بالمغرب بين التحديات والآفاق

مقاربة قانونية ومؤسساتية في ضوء التحولات التنموية وإشكالات العدالة المجالية

في إطار الدينامية العلمية التي تعرفها سلسلة الدروس القانونية الرمضانية في دورتها الرابعة، نظمت غرفة التحكيم والوساطة بشراكة مع المركز المغربي للتكوين والتنمية المستدامة درسا قانونيا تفاعليا حول موضوع: “تقليص الفوارق المجالية بالمغرب: التحديات والآفاق“، وذلك يوم الثلاثاء 17 مارس 2026، بمشاركة ثلة من الباحثين والطلبة والمهتمين بالشأن القانوني، في سياق النقاش المتزايد حول العدالة المجالية ورهانات التنمية الترابية بالمغرب.

وقد أطر هذا اللقاء العلمي كل من إيمان بنجيلاني، باحثة بسلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، وحنان بوتوميت، باحثة بسلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، حيث تم تناول الموضوع من زاوية قانونية ومؤسساتية تستحضر مختلف الأبعاد المرتبطة بإشكالية الفوارق المجالية.

شكل الموضوع مدخلا أساسيا لإعادة التفكير في إشكالية بنيوية تمس جوهر السياسات العمومية، وتتقاطع فيها الأبعاد القانونية والمؤسساتية والتنموية. وقد أتاح هذا اللقاء العلمي فرصة لتفكيك المفاهيم المؤطرة وتحليل المحاور الكبرى التي ينبني عليها النقاش حول العدالة المجالية، بما يفتح آفاقا بحثية أمام الطلبة والباحثين لتعميق النظر في هذا المجال الحيوي.

انطلق النقاش من تأصيل مفاهيمي يروم ضبط دلالة الفوارق المجالية باعتبارها اختلالات هيكلية في توزيع الموارد والإمكانات بين المجالات الترابية، وهو ما يؤدي إلى تفاوتات في الولوج إلى الحقوق والخدمات الأساسية. ولا يمكن فهم هذه الفوارق بمعزل عن سياقها التاريخي، حيث تتداخل عوامل موروثة عن السياسات الاستعمارية مع اختيارات التنمية بعد الاستقلال، مما يفرض مقاربة متعددة الأبعاد تستحضر التراكمات التاريخية والرهانات المستقبلية في آن واحد.

وعلى مستوى المحور الأول، المتعلق بالإطار الدستوري والقانوني، تم التأكيد على أن الدستور المغربي يشكل مرجعية أساسية في تكريس مبادئ العدالة المجالية، من خلال التنصيص على المساواة وتكافؤ الفرص والتضامن بين الجهات. كما تم إبراز دور القوانين التنظيمية للجماعات الترابية في تأطير الاختصاصات وتوزيعها، بما يعزز منطق التدبير الحر والجهوية المتقدمة. غير أن الإشكال المطروح لا يكمن فقط في وجود النصوص، بل في مدى قدرتها على تحقيق الالتقائية والانسجام بين مختلف المستويات الترابية، وهو ما يدعو إلى مساءلة فعالية الإطار القانوني في ضوء الممارسة.

أما المحور الثاني، المرتبط بالسياسات العمومية، فقد تم التوسع في تحليل البرامج الموجهة لتقليص الفوارق المجالية، خاصة تلك التي استهدفت العالم القروي والمناطق الجبلية. وقد أبانت هذه السياسات عن نتائج ملموسة في تحسين البنيات التحتية وتوسيع الولوج إلى الخدمات الأساسية، غير أن تقييم أثرها يظل رهينا بمدى استدامة هذه المشاريع وقدرتها على إحداث تحول بنيوي في النسيج الاقتصادي والاجتماعي. كما يطرح هذا المحور إشكالية الحكامة في تدبير البرامج العمومية، ومدى توفر آليات التتبع والتقييم القادرة على قياس النجاعة والفعالية.

وفي المحور الثالث، المتعلق بالتحديات القانونية والمؤسساتية، تم تعميق النقاش حول إشكالات الحكامة الترابية، حيث يبرز ضعف التنسيق بين مختلف الفاعلين كأحد أبرز العوائق التي تحد من فعالية السياسات العمومية. كما تمت الإشارة إلى تعقد المساطر الإدارية وتداخل الاختصاصات، فضلا عن محدودية الموارد المالية والبشرية، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. ويثير هذا المحور تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة البنية المؤسساتية الحالية على مواكبة متطلبات التنمية المتوازنة، وحول الحاجة إلى إصلاحات هيكلية تعزز النجاعة والمرونة في التدبير.

أما المحور الرابع، المرتبط باستشراف الآفاق، فقد تم تقديم مجموعة من المقترحات التي تروم تجاوز الإكراهات القائمة، من خلال تطوير الإطار القانوني وتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة، وتبني مقاربات تشاركية تدمج مختلف الفاعلين في صنع القرار. كما تم التأكيد على أهمية الرقمنة كرافعة أساسية لتقليص الفوارق المجالية، سواء من خلال تسهيل الولوج إلى الخدمات أو من خلال تحسين آليات التدبير والتتبع. ويطرح هذا المحور أيضاً ضرورة الاستثمار في الرأسمال البشري وتعزيز قدرات الجماعات الترابية، بما يمكنها من الاضطلاع بأدوارها التنموية بشكل فعال.

ومن زاوية المبادئ القانونية، يتأسس النقاش على مجموعة من المرتكزات التي تشكل الإطار المرجعي لتحقيق العدالة المجالية، وفي مقدمتها مبدأ المساواة أمام القانون، ومبدأ تكافؤ الفرص، ومبدأ التضامن بين الجهات، إضافة إلى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وتكتسي هذه المبادئ طابعا توجيهيا للسياسات العمومية، حيث يتعين أن تنعكس في مختلف مراحل إعداد وتنفيذ وتقييم البرامج التنموية.

وقد أبانت المداخلات والنقاشات التي أعقبت العرض عن وعي متزايد لدى الطلبة والباحثين بأهمية هذا الموضوع، حيث تم طرح تساؤلات نقدية تتعلق بفعالية اللامركزية، وحدود القوانين المالية في تحقيق العدالة الترابية، ومدى انسجام السياسات العمومية مع الخصوصيات المحلية. وهو ما يؤكد أن الفوارق المجالية ليست مجرد إشكال تقني، بل هي قضية مركبة تتطلب تضافر الجهود المؤسساتية.

وفي ختام هذا اللقاء، يتضح أن تقليص الفوارق المجالية يشكل ورشا استراتيجيا مفتوحا، يتطلب إعادة التفكير في نماذج التدبير الترابي، وتعزيز التكامل في السياسات العمومية، بما يحقق تنمية شاملة ومستدامة. كما يبرز الدور المحوري للبحث العلمي في تأطير هذا النقاش، من خلال إنتاج معرفة نقدية تسهم في النقاش العمومي، وتدفع نحو ترسيخ عدالة مجالية فعلية تتجاوز الطابع الشكلي إلى تحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين.

*****

يمكن للمهتمين متابعة مختلف حلقات سلسلة الدروس القانونية الرمضانية والاطلاع على موادها العلمية عبر المنصات الرقمية لـ المعلومة القانونية، وذلك من خلال الموقع الإلكتروني وصفحاتها الرسمية:

🌐 الموقع الإلكتروني: المعلومة القانونية
📘 فايسبوك: المعلومة القانونية
💬 واتساب: المعلومة القانونية
▶️ يوتيوب: المعلومة القانونية
🎵 تيك توك: المعلومة القانونية

قد يعجبك ايضا