تقرير: أشغال ندوة علمية تقارب الجرائم الإلكترونية والمسؤولية القانونية الرقمية

في ضوء التحول الرقمي وإشكالات الدليل والاختصاص القضائي

قديري المكي الخلافة

منسق اللجنة المنظمة للندوة

**********

في سياق التحولات العميقة التي أفرزها الانتقال الرقمي، وما ترتب عنها من أنماط جديدة من المخاطر القانونية والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، نظمت غرفة التحكيم والوساطة بشراكة مع المركز المغربي للتكوين والتنمية المستدامة، في إطار سلسلة الدروس القانونية الرمضانية – في نسختها الرابعة، ندوة علمية رقمية تفاعلية في موضوع بعنوان: “الجرائم الإلكترونية والمسؤولية القانونية الرقمية”. وقد شكل هذا اللقاء العلمي مناسبة أكاديمية لتحليل البنية المفاهيمية للجريمة السيبرانية واستجلاء حدود المسؤولية القانونية والأخلاقية في البيئة الرقمية، في أفق تعزيز الوعي القانوني وترسيخ ثقافة الثقة الرقمية داخل المجتمع.

وقد أطر الندوة الدكتور ياسين دينار، مدير أكاديمية هندسة الاستراتيجيات والدراسات الاستشرافية، وأستاذ زائر بجامعة محمد الخامس بالرباط، الذي قدم عرضا علميا معمقا تناول فيه التحولات البنيوية التي مست القانون الجنائي في ظل الثورة الرقمية، مبرزا أن الجريمة السيبرانية “CYBERCRIME” لم تعد مجرد صورة حديثة لجرائم تقليدية، بل أصبحت نمطا إجراميا قائما بذاته، يتميز بالطابع العابر للحدود، وسرعة التنفيذ، وتعقيد وسائل الإثبات. كما تولت الدكتورة لبنى البدوي، أستاذة زائرة بجامعة محمد الخامس بالرباط، تسيير أشغال الندوة، حيث أدارت النقاش الأكاديمي ونسقت التفاعل العلمي بين المؤطر والحضور والمتابعين، مع إغناء الحوار بملاحظات مهمة منهجيا وقانونيا بشكل دقيق حول المفاهيم والأسس المعتمدة في مجال العمل والممارسة القضائية.

انطلق ضيف اللقاء من تحليل مفهوم المسؤولية القانونية الرقمية “DIGITAL LIABILITY“، باعتباره إطارا حديثا لإعادة صياغة قواعد المساءلة، حيث لم يعد الفاعل الإجرامي هو الشخص الطبيعي فقط، بل قد تمتد المسؤولية إلى الشخص المعنوي في حالة ثبوت الإهمال أو غياب آليات الحماية، فيما يعرف بعيب التأمين وعدم المطابقة “DÉFAUT DE SÉCURISATION ET DE CONFORMITÉ“. ويعكس هذا التحول انتقالا من منطق الزجر التقليدي إلى منطق الوقاية وتدبير المخاطر الاستراتيجية، من خلال اعتماد سياسات الامتثال القانوني “COMPLIANCE” داخل المؤسسات.

كما توقف عند أبرز صور الاعتداءات الرقمية، من قبيل الولوج الاحتيالي إلى نظم المعالجة الآلية للمعطيات “INTRUSION FRAUDULEUSE DANS UN SYSTÈME DE TRAITEMENT AUTOMATISÉ DE DONNÉES“، والتصيد الاحتيالي “PHISHING“، والبرمجيات الخبيثة “MALWARE“، وبرمجيات الفدية “RANSOMWARE“، وهجمات حجب الخدمة الموزع “DISTRIBUTED DENIAL OF SERVICE – DDOS“، إضافة إلى المساس بالمعطيات ذات الطابع الشخصي “ATTEINTE AUX DONNÉES PERSONNELLES” وانتحال الهوية الرقمية “USURPATION D’IDENTITÉ NUMÉRIQUE“. وقد تم تحليل هذه الأفعال في ضوء أثرها المباشر على الثقة الرقمية “DIGITAL TRUST“، التي تشكل أساس المعاملات الإلكترونية واستقرار الاقتصاد الرقمي.

وفي سياق النقاش القانوني الذي أفرزته الندوة، تمت قراءة وتحليل المقتضييات المتعلقة بمكافحة الجرائم المعلوماتية ضمن مجموعة القانون الجنائي المغربي، وخصوصا القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني المغربي، الذي يهدف إلى حماية النظم والشبكات المعلوماتية ” INFORMATION SYSTEMS” الخاصة بالمؤسسات العمومية والخاصة، وضمان صمودها أمام التهديدات السيبرانية “CYBER THREATS”، بما يشمل مستخدمي الشبكات العامة ومزودي خدمات الإنترنت، كما يسعى القانون إلى إنشاء إطار مؤسساتي “INSTITUTIONAL FRAMEWORK” للإشراف على تنفيذ التدابير الأمنية ومراقبة الامتثال لمعايير السرية، السلامة وتوافر البيانات. إلى جانب القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، باعتباره تجسيدا لمبدأ المطابقة القانونية “CONFORMITÉ LÉGALE” في معالجة البيانات. كما تمت الإشارة إلى دور اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي “CNDP“، وأهمية ملاءمة المنظومة الوطنية مع المعايير الدولية، في ظل الطبيعة العابرة للحدود للجريمة السيبرانية، وتعزيز التعاون الدولي مع الهيئات المختصة.

وقد أولى المؤطر اهتماما خاصا لموضوع الدليل الرقمي “DIGITAL EVIDENCE“، باعتباره محوريا في إثبات الجرائم الإلكترونية، مع التأكيد على ضرورة احترام إجراءات الجمع “COLLECTE” والحفظ “CONSERVATION” وضمان سلسلة الحيازة “CHAÎNE DE POSSESSION“، حماية لمبدأ المحاكمة العادلة. كما تم التطرق إلى إشكالية الاختصاص القضائي “COMPÉTENCE JURIDICTIONNELLE” في الجرائم المرتكبة عبر خوادم أو منصات خارج التراب الوطني، وما يطرحه ذلك من تعقيدات عملية في تحديد المسؤولية.

كما سلط الضوء أيضا على تصنيف القراصنة بين ذوي القبعات السوداء “BLACK HAT” والقبعات البيضاء “WHITE HAT” الذين يمارسون الاختراق الأخلاقي “ETHICAL HACKING” في إطار قانوني، والقبعات الرمادية “GREY HAT“، في تحليل يبرز أن معيار التجريم يرتبط بالقصد والاستعمال لا بالأداة التقنية في حد ذاتها. كما تم التأكيد على خطورة الهندسة الاجتماعية “SOCIAL ENGINEERING” باعتبارها من أكثر الأساليب انتشارا لاستهداف العنصر البشري، مما يجعل التثقيف الرقمي أولوية استراتيجية.

وقد تميزت الندوة بتفاعل علمي من طرف المؤطرين والمشاركين الباحثين والطلبة والمهنيين والمهتمين، حيث طُرحت أسئلة دقيقة حول فعالية النصوص الجنائية الحالية، وتحديات القضاء المغربي في التعامل مع الجرائم السيبرانية، ودور الخبرة التقنية والمترجمين في المساطر ذات الطابع الرقمي، إضافة إلى تحقيق التوازن بين ضرورتي حماية الأمن السيبراني وضمان الحقوق والحريات الرقمية.

وختاما، أكد المتدخلون أن مواجهة الجريمة السيبرانية تقتضي رؤية شمولية تجمع بين تحديث التشريع، وتعزيز التعاون الدولي، وبناء قدرات مؤسساتية وتقنية متخصصة، وترسيخ ثقافة المسؤولية الرقمية داخل المجتمع. وفي هذا الإطار، تواصل غرفة التحكيم والوساطة، بشراكة مع المركز المغربي للتكوين والتنمية المستدامة، إطلاق مبادرات وبرامج تثقيفية وتكوينية موجهة للباحثين والطلبة والمهنيين، إيمانا بأن الاستثمار في المعرفة القانونية الرقمية هو الأساس لبناء بيئة رقمية آمنة، قائمة على الثقة والأخلاق ومحكومة بسيادة القانون.

قد يعجبك ايضا