مناشدة قانونية بغية تفعيل مقتضيات الفصل 132 من الدستور المغربي

بشأن مشروع قانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية

 

 إلى الملك الهمام بصفته رئيس

الدولة و الفاصل بين مؤسساتها

 و الضامن لاستقلال السلطة القضائية

 

بعد التحية و السلام على السدة العالية بالله ، أدام الله عليكم الصحة والعافية.

 يشرفني بمقتضى هذا الكتاب و في إطار تفعيل الفصل 132 من الدستور المغربي الذي نص على على مايلي: ” يمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، وخُمس أعضاء مجلس النواب، وأربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلو القوانين أو الاتفاقيات الدولية، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، أو قبل المصادقة عليها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور.” و من هذا المنطلق نناشد مقامكم المحترم لتفعيل حقكم في إحالة مشروع ق م ج على المحكمة الدستورية، لما له من تأثير مباشر على وقف سريان تنفيذه خاصة أنه لم يبقى أمام هذه المحطة سوى نشره في الجريدة الرسمية، و إنني أناشدكم كمواطن ممارس في حقل العدالة، و قبل ذلك كغيور على هذا الوطن مادام أنكم الجهة الأولى التي خول لها القانون حق إحالة القوانين و الإتفاقيات الدولية، في ظل الوضع الحالي و الذي لم يقم مع السيد رئيس الحكومة، و كذا السيد رئيس مجلس النواب، وكذا السيد رئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء مجلس النواب، أو الأربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين على ذلك، بل الأمر منه هو أن هذا المشروع تم التصويت عليه من لدن 47 نائبا فقط، وعارضه 15 نائبا في ظل غياب 333 نائب و نائبة، أي أن 47 نائبا هم من قرروا في أسمى قانون بعد الدستور.

إن مشروع قانون المسطرة الجنائية التي تمت المصادقة عليه و من المنتظر أن يتم نشره في الجريدة الرسمية لم يعرض على المحكمة الدستورية، كما هو الشأن بالنسبة لقانون المسطرة المدنية، و الذي بالمناسبة أصدرت المحكمة الدستورية قرارها بعدم دستورية العديد من النصوص القانونية.

و حري بالبيان أن م ق م ج يتضمن العديد من المواد التي لا تنسجم مع مقتضيات الدستور، و لا مع الإنخراط الجاد و الفعلي لمقامكم في بناء دولة الحق و القانون ، و تخليق الحياة العامة من خلال تكريس مبدأ الحكامة و ربط المسؤولية بالمحاسبة، و لعل من أبرز النصوص المثيرة للجدل التي يمكن الإشارة إليها في هذا السياق مقتضيات المادتين 3 و 7 من مشروع قانون المسطرة الجنائية اللتان تنصان على مايلي:

” ……يمكن إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في شأن الجرائم الماسة بالمال العام، إلا بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة بناء على إحالة من المجلس الأعلى للحسابات، أو بناء على طلب مشفوع بتقرير من المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية أو المفتشيات العامة للوزارات أو من الإدارات المعنية، أو بناء على إحالة من الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أو كل هيئة يمنحها القانون صراحة ذلك….”

في حين نصت المادة 7 منه على مايلي:

“…. يمكن للجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة و الحاصلة على إذن بالتقاضي من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل حسب الضوابط التي يحددها نص تنظيمي أن تنتصب طرفا مدنيا، إذا كانت قد تأسست بصفة قانونية منذ أربع سنوات قبل ارتكاب الفعل الجرمي…..”.

و إنني سأحاول أن أبسط لمقامكم المحترم عدم دستورية هاته المادتين فيما يلي:

أولا: خرق مقتضيات الفصل 3 و 7 من م ق م ج للفصل 6 من دستور المملكة

لئن نصت الفقرة الأولى من الفصل 6 من الدستور نص على مايلي:

” القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة والجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له…….”، و لما عملت مقتضيات المادة 3 من م ق م ج على حصر الجهات التي يمكنها إحالة الوثائق و الأبحاث التي تهم جرائم المال العام على أنظار السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض من دون قيد أو شرط، فيما قيد حق لجوء الأفراد والجمعيات إلى القضاء للمطالبة بفتح تحقيق أو إجراء بحث قضائي على ضرورة الحصول على إذن تسلمه السلطة الحكومية المكلفة بالعدل يجسد بحق خرقا للفصل 6 من د م كونه أخل بمبدأ المساواة أمام القانون،. ما يجعل و الحالة هاته مقتضى المادة المذكورة غير دستوري و يتعين مراجعته.

أيضا يشكل خرقا لمبدأ المساواة أمام القانون مخاطبة المادة 3 من م ق ج للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض يجعل مهمة الوكلاء العامون ونوابهم و كذا وكلاء الملك و نوابهم في جميع ربع المملكة في وضعية جمود واضح، فلا يمكن أن تعمل هاته الجهات سواء بلغ إلى علمها أو تم تبليغها من لدن أشخاص أو بوثائق تشهد بأن المال العام في حضرة الجرم المشهود و المستمر فلا يمكنها أن تتحرك لتقييم الأبحاث و التحريات، و في نفس الوقت سيعمل نفس الجهاز على تحريك دعاوى عمومية في مواجهة مواطنين آخرين قد لا يتوفرون على صفة الإمتياز القضائي و هو ما سيجعل المواطنين ليسوا سواء أمام القانون ، وقد تشكل هذه الفقرة امتياز خاص لفئة مدبري المال العام و هي مكنة سينجم عن الإفلات من العقاب أكثر من الحماية المزعومة لهذه الفئة، و بالتالي سنكون أمام إخلال بمبدأ المساواة لكن في هذه الحالة من زاوية تضرر مالية مؤسسات الدولة و مرافقها. ما يتعين معه و الحالة هاته القول بمراجعته هذا البند لعدم مطابقته للدستور.

ثانيا: خرق مقتضيات المادتين 3 و 7 من م ق م ج للفصل 107 من د م

لئن نص الفصل 107 من د م على مايلي:

” السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية التنفيذية …”

فبالرجوع إلى مقتضيات المادة 3 من م ق م ج سنلاحظ تقييد و غل يد و سلطة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض في القيام بالأبحاث و تحريك الدعوى العمومية فقط كلما تعلق الأمر بالجرائم التي تمس المال العام و ذلك من خلال تعليق القيام بمهمته على الإحالة عليه من لدن الجهات التي حصرتها نفس المادة ، و هو ما يجسد خرقا لمبدأ الفصل بين السلط، كون الوكيل العام للملك لدى محكمة النقص بعد أن بلغ إلي علمه جرائم بالملايير سيضع ما توصل به في مكتبه ريتما يحال عليه الأمر من الجهات المحددة في المادة 3 من م ق م ج و هو ما يجسد بحق تغول للسلطة التنفيذية على السلطة التشريعية و محاولة الإجهاز على حق النيابة العامة باعتباره الممثل الأول لحق المجتمع أمام القضاء و الساهر على إنفاذ القانون، و حتى يتضح المقال فإننا نفترض أن المفتشية العامة لوزارة الداخلية وهي وزارة تنتمي للسلطة التنفيذية وقفت على اختلاسات تتعلق بصفقات عمومية لبناء مرافق ومؤسسات تابعة له أكد هذا الأمر تقرير المجلس الأعلى للحسابات و لما يعملا هذه المفتشيتين على إحالة الأمر على أنظار السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بحجة أن التقارير ستحاول في الوقت المناسب هنا سيلاحظ المطلع على أن وزارة العدل أصبحت هي من تعطي الضو الأخضر للقيام بالأبحاث و التحريات كلما تعلق الأمر بجرائم تمس المال العام، و هو نا يجسد خرقا لمقتضيات الفصل 107 من د م المتعلق بالفصل بين السلط مما يتعين معه القول بمراجعته لهذه العلة.

ـ ثالثا: عدم دستورية المادتين 3 و 7 من مشروع ق م ج من منظور الفصل 117 من د م

حيث نص الفصل 117 من الدستور المغربي الذي نص على مايلي:

” يتولى القاضي حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون.”

و حيث أن مقتضيات المادة 42 من ق م ج نصت على مايلي:

” يجب على كل سلطة منتصبة وعلى كل موظف بلغ إلى علمه أثناء ممارسته لمهامه ارتكاب جريمة، أن يخبر بذلك فوراً وكيل الملك أو الوكيل العام للملك وأن يوجه إليه جميع ما يتعلق بالجريمة من معلومات ومحاضر ووثائق”

و بقراءة المادة الأخيرة سيقف مقامكم المحترم على أن المادة 3 من م ق م ج لا يمكن أن تنسجم مع مقتضيات الفصل 117 من د م من جهة أولى لأن التبليغ عن هذه الجرائم لن يعود له أي جدوى، و من جهة ثانية فإن هذا المقتضى سيعرقل جهاز النيابة العامة باعتباره ممثل الحق العام في إجراء البحث و إقامة الدعوى العمومية في مواجهة مجرمي المال العام ، بل ستكتفي كافة النيابات العامة فقط بتبليغ السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، الذي سينتظر بدورة إحالة الوقائع عليه من الجهات المحددة قانونا، و بالتالي سيصبح الأمن القانوني و القضائي في وضع حرج بل و سيخدم هذا المقتضى ناهبي المال العام، أكثر بحيث سيفسح لهم المجال لمحو أثار جرائمهم في غياب أي رقابة اللهم الجهات المشار إليها، و في المقابل سيظل مسؤولا كل الأشخاص الذين لم يعملوا على عدم التبليغ عن الجنايات المتعلق بالمال العام طبقا لمقتضيات الفصل 299 متى تبث علمهم بذلك، ما يجعل هذا البند غير دستوري كون يعطل مقتضيات الفصل 42 من ق م ج و يشكل تهديدا واضحا للأمن القانوني للأفراد و الجماعات الذي يسهر على ضمانه القضاء، ما يتعين معه و الحالة هاته القول بمراجعته هذا البند لخرقه مقتضيات الفصل 117 من د م.

رابعا :خرق مقتضيات الفصل 3 و 7 من م ق م ج للفصل 118 من د م

لئن نص الفصل 118 من د م على مايلي: ” حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه و مصالحه التي يحميها القانون ” و لعل من بين الحقوق التي يكفلها الدستور للمواطنين الحق في الإنتماء إلى جمعيات المجتمع المدني، بل و ألزم الفصل 33 من د م إحداث مجلس استشاري للشباب و العمل الجمعوين من أجل تعميم مشاركتهم في التنمية الإجتماعية و الاقتصادية الثقافية و السياسية للبلاد، و لما كان من بين حقوق جمعيات المجتمع المدني و التي يكفلها ظهير 1956 حق الحصول على صفة المنفعة العامة التي تخول لهم الحصول على الهبات و الوصايات و الحق في التقاضي، فإن هذا الفصل أي 7 من م ق م ج أحاول الإجهاز على هذا الحق أيضا من خلال إضافة شرط آخر فبالإضافة إلى صففة المنفعة العامة التي يشترط القانون لممارسة التقاضي اشترطت المادة ضرورة الحصول على إذن من السلطة الحكومية المكلفة بوزارة العدل حتى يتسنى لها تقديم الشكايات المتعلقة بجرائم المال العام أمام أنظار السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض.

و لما كان حق التقاضي حق يضمنه القانون و أن كافة المصالح الفردية أو المجتمعية يحميها هذا الأخير فإن تقييد المساهمة في تخليق الحياة العامة و ربط المسؤولية بالمحاسبة من خلال تقديم عذه الشكايات هو أمر يعد خرقا للدستور و خاصة الفصل 118 منه، فكيف يعقل أن تصادر حق الأشخاص و الجمعيات في رفع الدعاوى المتعلقة بالجرائم المتعلقة بالمال العام بحجة أن هناك جمعيات تبتز مدبري الشأن العام في الوقت الذي لا يمكن تغاضي سلطة الملائمة المملوكة للنيابة العامة و التي تقتضي بعد إجراء بحث تمهيدي مضني أن تقرر المتابعة من عدمه، و أن غل يد هذه الأخيرة أي الجمعيات و الأفراد بإذن من لدن السلطة الحكومية لمكلفة بالعدل في غياب أي نتعبير جدي لنصوص تنظيمية تنظم كيفية طلب هذا الإذن و الأجل المطلوب و الأثر المترتب عند حرمان السلطة الحكومية المكلفة بالعدل من تمكين الافراد و الجمعيات من الحصول على هذا الإذن بل و كيف سيتم التوفيق بين دعاوى عومية رائجة أمام القضاء تقتضي احترام آجال استرشادية و بين المدة الزمنية التي تتطلب للحصول على الإذن المطلوب، كلها أسباب تجعل المادة 7 من م ق م ج مادة غير دستورية تقتضي مراجعتها .

لكل هاته الأسباب ألتمس من المقام العالي بالله بكل تقدير واحترام و بكل إجلال الإلتفاتة إلى هذه المناشدة القانونية و إعكاء تعليماتكم السامية قصد إحالة م ق م ج. على أنظار المحكمة الدستورية، و يبقى لمقامكم الرأي الأول و الأخير.

 

ذ. محمد الحاجي صدوق

محام بهيئة المحامين الدار البيضاء

قد يعجبك ايضا