تقرير: اليوم الدراسي حول “الوساطة الأسرية” يوليوز 2025 بالرباط
الوساطة الأسرية ودورها في بناء أسرة متماسكة ومستقرة
التقرير الختامي لأشغال اليوم الدراسي حول:
“الوساطة الأسرية ودورها في بناء أسرة متماسكة ومستقرة”
يوم 25 يوليوز 2025 بمدينة الرباط
إعداد: سهيلة حنيني
طالبة باحثة
بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال
جامعة محمد الخامس بالرباط
مقدمة:
تخليدا للذكرى السادسة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله على عرش أسلافه المنعمين، وانطلاقا من العناية السامية التي ما فتئ جلالته يوليها للآليات البديلة لفض النزاعات، وحرصه الموصول على تحصين الأسرة المغربية وتعزيز تماسكها.
نظمت الجمعية المغربية للتنمية والتكوين والادماج، وغرفة التحكيم والوساطة، يوما دراسيا تحسيسيا حول موضوع: “الوساطة الأسرية ودورها في بناء أسرة متماسكة ومستقرة”، وذلك يوم الجمعة 25 يوليوز 2025، على الساعة الرابعة مساءا، برحاب الفضاء الوطني للذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير، بالمندوبية السامية لقدماء المقاومة وأعضاء جيش التحرير بالرباط، وقد حضي هذا اليوم الدراسي بحضور ومشاركة ثلة من الباحثين والخبراء والمتخصصين والمهتمين.
انسجامًا مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، باعتبار الوساطة الأسرية وسيلة فعالة لتسوية الخلافات بعيدًا عن تعقيدات المساطر القضائية، كما أثبتت التجارب الدولية الرائدة، كفرنسا وكندا وهولندا، نجاعتها في الحد من تفكك الأسر وتحقيق حلول توافقية مستدامة تحفظ كرامة الأطراف ومصلحة الأطفال.
الجلسة الافتتاحية:
انطلقت أعمال هذا اليوم الدراسي بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، وبالنشيد الوطني المغربي، ثم تلته كلمة السيد زكرياء القادري رئيس الجمعية المغربية للتنمية والتكوين والادماج، ثم كلمة السيد قديري المكي الخلافة رئيس غرفة التحكيم والوساطة، بعدها كلمة ممثل المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.
الجلسة العلمية:
انطلقت الجلسة العلمية لهذا اليوم الدراسي بمداخلة الدكتور ياسين دينار خبير مستشار ووسيط ومحكم، والذي تطرق إلى تعريف الوساطة الأسرية بكونها تدخل مهني محايد من طرف وسيط مختص يسهل الحوار بين المتنازعين، بهدف التوصل إلى حلول توافقية بعيدا عن المحاكم. كما تطرق المتدخل إلى الوساطة كأداة وقائية وليست علاجية لكونها أداة استباقية يمكن أن تجنب الأسرة الوقوع في صراعات مدمرة، لما لها من دور في استقرار الأسرة وتعزيز الثقة المفقودة بين أفراد الأسرة.
كما سرد المتدخل بعض الأمثلة والإحصائيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط وعن وزارة العدل، وتطرق للوساطة الأسرية ودورها في خدمة استقرار المجتمع من خلال طرحها لحلول توافقية تساهم في تقليل العنف الأسري وتحمي الطفولة، وكذا تربية المواطن على الحوار وبناء أسر متصالحة.
وختم المتدخل بتقديم مجموعة من الاقتراحات لزرع ثقافة الحوار والصلح، وأوضح أن الوساطة الأسرية باتت ضرورة مجتمعية وأمنية لحماية الأسرة كنواة للمجتمع.
تلته مداخلة الدكتور يونس باعدي أستاذ زائر بكلية الحقوق طنجة،والمعنونة بالمسؤولية القانونية والأخلاقية للوسيط الأسري، والتي تطرق فيها إلى الإطار المفاهيمي والتنظيمي للوساطة الأسرية والتطور الذي لحقها، بحيث انتقلت من كونها مجرد آلية اقتراحية غير ملزمة إلى أحد الوسائل المعتمدة قانونا في تدير النزاعات الأسرية.
وتجد الوساطة الأسرية مرجعها القانوني في المادة 82 من مدونة الأسرة التي نصت على إمكانية لجوء المحكمة إلى محاولة الصلح عن طريق أحد الأقارب أو هيئة من اختيار الأطراف أو من تعينهم المحكمة وهو ما يعتبر تأسيسا ضمنيا للوساطة الأسرية، إلا أن هذا التنصيص جاء عاما وغير مفصل. كما تطرق المتدخل للشروط التي ينبغي أن تتوفر في الوسيط الأسري منها العلمية والمهارية المتمثلة في حصوله على تكوين أكاديمي في المجال واجتيازه لدورات تدريبية متخصصة وإلمامه بمواضيع مدونة الأسرة، إلى جانب ذلك ينبغي على الوسيط أن تتوفر فيه شروط أخلاقية ومهنية كالحياد والنزاهة واحترام السرية.
وفيما يخص مهام الوسيط الأسري فتتمثل في تنظيم جلسات الحوار المساعدة في الوصول على الحلول وصياغة محضر اتفاق يعرض على القضاء من أجل المصادقة عليه.
وأبرز المجالات التي تغطي الوساطة الأسرية والتي تختلف حسب مراحل الحياة الأسرية وهي نزاعات ما قبل الطلاق نزاعات ما بعد الطلاق ونزاعات متعلقة بالعائلة الممتدة ونزاعات متعلقة بالأطفال.
كما تطرق المتدخل لمسؤولية الوسيط الأسري المدنية والجنائية والأخلاقية والتي لا تقل أهمية عن تلك التي يتحملها المحامي والقاضي باعتبار أن الوسيط يتعامل مع معلومات شخصية ويؤثر في قرارات مصيرية للأسرة.
وتطرق كذلك المتدخل لنتائج الوساطة الأسرية التي تعتبر مدخلا أساسيا لقياس نجاعتها والتي تكمن في الاتفاق الحاصل بين الطرفين الذي يوثق في محضر رسمي، وتؤثر الوساطة على الإجراءات القضائية بتسريع المساطر وتقليص أعباء التقاضي، وفي حال فشل الوساطة تعود القضية للمحكمة من أجل البت فيها. كما تطرق المتدخل لواقع الوساطة الأسرية بالمغرب الذي مازال يتسم بالتجزيء وضعف التأطير التشريعي، باستثناء بعض المبادرات التي تقوم بها الجمعيات والمراكز. وبخصوص أفاق تطوير الوساطة الأسرية فقد أجملها المتدخل في خطة متعددة الأبعاد تهم التشريع والتكوين والتمويل والمؤسسات.
وخلص إلى أن واقع الوساطة الأسرية رهين جهود محدودة وغير مؤطرة، وأن تفعيلها لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إرادة تشريعية ومؤسساتية تؤمن أن حل النزاعات الأسرية لا يتم فقط في المحاكم بل حتى في مساحات التواصل والإصغاء.
وأخيرا مداخلة الأستاذ المهدي الزرداوي باحث بسلك الدكتوراه، تطرق فيها إلى المفهوم القانوني للوساطة الأسرية بأنها عملية طوعية سرية ومحايدة، تتم عن طريق تدخل طرف ثالث مؤهل لمساعدة الأطراف على التوصل لحل توافقي يحافظ على مصالحهم. وبالرغم من عدم تنظيم القانون المغربي للوساطة الأسرية إلا أن مدونة الأسرة تكرس في موادها مبدأ الصلح، فضلا على أن القانون رقم 95.17 المتعلق بالوساطة والتحكيم وإن كان ينظم الوساطة في الميدان المدني والتجاري فقط، إلا أنه يؤسس لمبادئ يمكن أن تشمل النزاعات الأسرية.
مما يستوجب ضرورة تقنين الوساطة الأسرية كآلية مستقلة. وأضاف المتدخل أن الوساطة الأسرية تستند على مجموعة من الأسس النظرية التي تشكل إطارا مرجعيا لمشروعيتها، فعلى المستوى القانوني تعتبر الوساطة الأسرية امتداد للتوجه التشريعي الداعي إلى اعتماد وسائل ودية لحل المنازعات، وعلى المستوى الاجتماعي تعتبر الوساطة الأسرية أداة لتدبير النزاع داخل المحيط الأسري، وعلى المستوى النفسي تعتمد الوساطة الأسرية على أدوات ومفاهيم علم النفس الأسري ونظريات التواصل، وعلى المستوى الحقوقي والإنساني فالوساطة الأسرية تستند على المرجعية الكونية لحقوق الإنسان.
وأخيرا تطرق المحاضر لأهمية الوساطة الأسرية من خلال قدرتها على إعادة بناء الروابط بين أطراف الأسرة بشكل سليم وفعال يضمن استمرارية العلاقات، كما تعد وسيلة لتخفيف الضغط على المحاكم. مما يبرز الحاجة الملحة إلى تنظيمها قانونيا بضبط شروط ممارستها.
بعدها تم فتح باب استقبال أسئلة وتعقيبات المشاركين والمشاركات في هذا اليوم الدراسي، وختاما تمت الإجابة على الأسئلة والتعقيبات المقدمة من قبل المتدخلين وكذا تقديم التوصيات التي تمثلت في:
– إصدار قانون خاص بالوساطة الأسرية.
– إدماج وحدات الوساطة الأسرية داخل المحاكم، تضم وسطاء مؤهلين تحث إشراف وزارة العدل.
– إقرار مسطرة إلزامية للوساطة في بعض القضايا الأسرية.
– إحداث سجل وطني للوسطاء على غرار سجلات المحامين والموثقين.
– إقرار مدونة أخلاقيات لمهنة الوسيط.
– توفير الدعم المالي والهيكلي للجمعيات النشيطة في الوساطة الأسرية.
– رقمنة الوساطة الأسرية عبر إحداث منصات إلكترونية.
– تعزيز التكوين الجامعي والمهني في مجال الوساطة الأسرية.
وتخللت هذا اليوم الدراسي مناقشة جادة شارك فيها الأساتذة المتدخلون والباحثين المهتمين بمجال الوساطة الأسرية.
خاتمة:
تعد الوساطة الأسرية آلية حديثة وفعالة تساهم في تخفيف النزاعات الأسرية، وتفادي تفكك الأسرة بما يحقق الاستقرار والتناسق المجتمعي. لذا من الضروري توفير إطار قانوني ومؤسساتي للوساطة الأسرية بهدف تنظيمها وضبط شروط ممارستها.






