حفظ الذاكرة: استراتيجية العدالة الانتقالية لتعزيز المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان

أشغال ندوة علمية بالرباط

الرباط – alkanoun.info

في إطار أشغال الندوة العلمية الوطنية المنعقدة بالرباط بتاريخ 14 يوليوز 2025، قدم الدكتور المصطفى بوجعبوط، مدير المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية، مداخلة علمية بعنوان “حفظ الذاكرة كاستراتيجية علاجية لبناء مقومات المصالحة الوطنية”.

وقد أكد “الدكتور بوجعبوط” على الدور المحوري لآلية حفظ الذاكرة ضمن منظومة العدالة الانتقالية، مُبرزًا إسهاماتها الجوهرية في ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان وتحقيق المصالحة المجتمعية الشاملة.

وأوضح “الدكتور بوجعبوط” أن مقاربة حفظ الذاكرة تتجاوز مجرد استرجاع الأحداث الماضية، لتُشكل استراتيجية علاجية شاملة تهدف إلى تحويل الأماكن التي شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، كما هو الحال بالنسبة لتلك المرتبطة بـ”سنوات الرصاص” في المغرب (الفترة الممتدة تقريبًا من ستينيات القرن الماضي إلى أوائل التسعينيات).

هذه الأماكن، التي كانت بؤرا للألم، تتحول بفعل هذه المقاربة إلى فضاءات رمزية للذاكرة والتعلم، بهدف رئيسي هو ضمان عدم تكرار الانتهاكات المستقبلية، وتحويل الذاكرة الفردية للضحايا إلى ذاكرة جماعية مؤسسية تُسهم في بناء هوية مجتمعية متماسكة ومُتعافية.

مرتكزات مقاربة حفظ الذاكرة في ضوء حقوق الإنسان
سلّطت المداخلة الضوء على المرتكزات الأساسية والغايات الإيجابية لآلية حفظ الذاكرة من منظور حقوق الإنسان:

تحويل الذاكرة الفردية إلى ذاكرة جماعية ممأسسة:

أكد “مدير المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية” أن عملية دمج التجارب الفردية للضحايا ضمن السجل التاريخي والوعي الجماعي للمجتمع تسهم في تعزيز التعافي الجماعي وتدعيم التماسك الاجتماعي. هذه العملية تُرسّخ قيما تربوية مُناهضة للكراهية، وتعزز ثقافة التسامح والقبول، مما يُفضي إلى بناء هوية جماعية جامعة قائمة على مبادئ المشاركة والعدالة.

الحفاظ على الأمكنة كرموز ضد النسيان:

بينت المداخلة أن الأماكن التي شهدت الانتهاكات، بما في ذلك المعتقلات السرية السابقة والمواقع ذات الصلة، تتحول إلى “نواقل للذاكرة”. يتم ذلك عبر تدابير مادية ورمزية كإنشاء المتاحف، والنصب التذكارية، وإعادة تأهيل المعتقلات السابقة كفضاءات للتعلم والتثقيف. هذا الحفاظ المادي والبصري لا يقتصر على تخفيف آلام الضحايا وذويهم، بل يعد أداة بيداغوجية بالغة الأهمية تُعلم الأجيال اللاحقة دروسًا مستخلصة من الماضي، حول ضرورة احترام كرامة الإنسان وصون حقوقه، والتصدي لأي انتهاكات مستقبلية. إنها خطوة جوهرية نحو إنصاف التاريخ والمكان والضحية والمجتمع بأكمله.

تعزيز المشترك الاجتماعي وتحقيق السلم:

أشار “الباحث” إلى أن الذاكرة المحفوظة تُسهم في إرساء أرضية مشتركة للفهم المتبادل والتسامح بين مختلف مكونات المجتمع. فعندما يُدرك الجميع حجم مأساة الماضي وكلفتها البشرية، يُصبح السعي نحو تحقيق السلم الاجتماعي والعدالة الانتقالية أكثر إلحاحًا. هذه المقاربة تُشجع على حوار مجتمعي بناء حول طبيعة الحقيقة وسبل تدبير الرموز المرتبطة بالانتهاكات، مما يُعزز التماسك الاجتماعي ويُقلل من مسببات التوتر والنزاع.

التجربة المغربية: مكتسبات راهنة وتحديات مستقبلية

تناولت “المداخلة” المكتسبات التي حققها المغرب في مجال حفظ الذاكرة، تنفيذا لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة. وأبرزت الجهود المبذولة في “تحويل عدد من المراكز غير النظامية، مثل معتقلي تازمامارت وأكدز، إلى فضاءات سوسيو-ثقافية وتذكارية، مع الإشارة إلى انطلاق أشغال تهيئة فضاء تازمامارت في فبراير 2020؛ وكذلك إنشاء متحف الحسيمة عام 2021 والمتحف الوطني للتاريخ؛ وصيانة مدافن الضحايا في مواقع مثل مقبرة ضحايا الاختفاء القسري بقلعة مكونة، ومقبرة ضحايا أحداث يونيو 1981 بالدار البيضاء، ومقبرة ضحايا أحداث يناير 1984 بالناظور؛ بالإضافة إلى إحداث وحدة حفظ الذاكرة والعناية بالتاريخ المغربي، وبناء نصب تذكاري لضحايا الصخيرات بمقبرة العلو بالرباط. هذه المنجزات تشكل أساسا متينا لترسيخ قيم حقوق الإنسان وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

ومع ذلك، أشار “الدكتور بوجعبوط” إلى أن مقاربة حفظ الذاكرة في التجربة المغربية لا تزال تواجه بعض التحديات، لاسيما فيما يتعلق بعدم استكمال وتعميم توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة في جميع مراكز الاعتقال السابقة، وعدم تخصيص يوم وطني للتذكار الخاص بالضحايا، على غرار الممارسات الدولية. وفي هذا الصدد، ذكرت المداخلة بالملاحظات الختامية للجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري بتاريخ 18 أكتوبر 2024، حيث أوصت اللجنة في الفقرتين 62 و63 بأن “تضع الدولة الطرف برنامجا مستداما لحفظ الذاكرة بشكل دائم، بالتشاور مع الضحايا والتنسيق معهم، من أجل حماية المواقع المستخدمة لتنفيذ حالات الاختفاء القسري، وتحويل المواقع المناسبة إلى أماكن تثقيفية وتذكارية متاحة لعامة الجمهور”.

نحو استدامة الذاكرة:

مبرزا ضرورة الإرادة السياسية والإطار التشريعي في ختام مداخلته، ومشددا على أن استدامة نجاح مقاربة حفظ الذاكرة وتحقيق المصالحة الشاملة تتطلب:

إرادة سياسية متواصلة وراسخة:

قال بأن هذه الإرادة تتجسد في تتبع دقيق لتنفيذ توصيات العدالة الانتقالية، وضمان صيانة وإدارة أماكن الذاكرة على المدى الطويل وفق معايير الحكامة الرشيدة.

إطار تشريعي قانوني مؤطر:

أكد على ضرورة وضع نص قانوني واضح يُنظم مسار حفظ الذاكرة، من مراحل التشاور والتخطيط إلى التنفيذ والاستدامة، ضرورة ملحة. من شأن هذا الإطار القانوني أن يعزز الشرعية القانونية للمبادرات ويوفر الحماية اللازمة لها، مما يُسهم في ترسيخ الأبعاد المؤسسية لحفظ الذاكرة.

تبني التفكير التشاركي والإبداعي:

أفاد أنه من الأهمية بمكان إشراك مختلف الفاعلين المعنيين، بمن فيهم الضحايا وذويهم ومكونات المجتمع المدني، في جميع مراحل عمليات التخطيط والتنفيذ. هذا النهج التشاركي يُثري المبادرات، ويُعزز قبولها المجتمعي، ويمكن من ابتكار مشاريع مُحفزة تُعزز التفكير النقدي في الماضي وتعالج مخاطر تزوير التاريخ أو نهم النسيان.

وخلص “الباحث المختص في مجال العدالة الانتقالية” إلى أن حفظ الذاكرة لا يعد مجرد واجب تاريخي أو أخلاقي، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل الأوطان. بل إنه يساهم بفعالية في نشر قيم التسامح والتضامن، وتعزيز الوحدة الوطنية، وبناء مجتمع واع، قادر على التعافي من آثار الماضي والتقدم نحو بناء دولة الحق والقانون.

المتدخلين في ندوة حفظ ذاكرة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب
المتدخلين في ندوة حفظ ذاكرة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب
إعلان ندوة حفظ ذاكرة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب
قد يعجبك ايضا