مراسلة بشأن تفعيل المادة 13 من القانون رقم 38.15 في ضوء التحول القضائي بالمغرب نحو العدالة التوافقية
قديري المكي الخلافة
مهتم بالوسائل البديلة لتسوية المنازعات
*******
تندرج المراسلة الصادرة عن السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية (الوثيقة) بشأن تفعيل مقتضيات المادة 13 من القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي ضمن سياق إصلاحي متدرج تعرفه منظومة العدالة بالمغرب، تنزيلا لمبدأ تطور القضاء انسجاما مع متطلبات النجاعة القضائية. ويبدو من خلال مضامين هذه المراسلة أن المؤسسة القضائية لم تعد تنظر إلى الصلح والوساطة الاتفاقية باعتبارهما مجرد آليتين تكميليتين، بل كخيار منهجي ينبغي استحضاره كلما سمحت طبيعة النزاع بذلك، بما يعكس وعيا متناميا بجدوى هذه الآليات في تحقيق العدالة.
إن القراءة المتأنية للمادة 13 تكشف أن المشرع منح المحكمة سلطة تقديرية ذات بعد توجيهي، تسمح لها بدعوة الأطراف إلى سلوك مسار توافقي، دون المساس بحقهم في التقاضي أو فرض حل رضائي عليهم. وهذا التوازن الدقيق بين الطابع الاختياري للوساطة والبعد التحفيزي لدور المحكمة، يمثل من وجهة نظرنا، أحد أهم مكامن القوة في هذا المقتضى، لأنه يحافظ على هيبة القضاء من جهة، ويفتح في الآن نفسه أفقا لعدالة أكثر مرونة وإنصافا من جهة أخرى.
وتكتسي المراسلة أهمية خاصة لأنها تنقل النص من مستوى الركود القانوني إلى مستوى الدعوة المؤسساتية الصريحة للتفعيل، وهو انتقال نوعي ظل في تجارب سابقة أحد أبرز مواطن القصور. فالتأكيد على دور القاضي المقرر في اقتراح الصلح أو الوساطة قبل عرض النزاع على الهيئة الجماعية يعكس توجها عمليا يروم التدخل المبكر لترشيد مسار الدعوى، وتقليص الزمن القضائي، وتخفيف العبء عن البنية القضائية، دون الإخلال بضمانات المحاكمة العادلة.
ومن زاوية أخرى، فإن هذا التوجه ينسجم مع التحول العالمي نحو نماذج العدالة التوافقية التي تعطي الأولوية للحلول الرضائية كلما كانت ممكنة، خاصة في المنازعات التعاقدية، حيث لا يكون الهدف دائما إنتاج رابح وخاسر بقدر ما يكون الحفاظ على استمرارية العلاقات التعاقدية واستقرار المعاملات هو الرهان الأسمى. وفي هذا السياق، يمكن فهم التركيز الوارد في المراسلة على القضايا التجارية، ولاسيما ذات الصلة بالمجال الاقتصادي، باعتباره اختيارا واعيا بحساسية الزمن القضائي في مناخ الأعمال.
وفي هذا الإطار، إن الرهان الحقيقي في تقديرنا لا يكمن في سلامة الاختيار التشريعي بقدر ما يتمثل في جودة التنزيل العملي. فثقافة التقاضي بالمغرب ما تزال تميل، في جزء معتبر منها، إلى طلب الحكم القضائي الحاسم حتى في النزاعات التي تقبل بطبيعتها التسوية الرضائية. كما أن نجاح القاضي في أداء دوره التوجيهي الجديد يفترض امتلاك أدوات مهارية في التواصل وإدارة النزاع لا تقل أهمية عن المعرفة القانونية الصرفة. لذلك فإن أي تفعيل فعلي للمادة 13 يمر بالضرورة، من وجهة نظرنا، عبر استثمار مؤسساتي في التكوين المتخصص، وتطوير الممارسات المهنية داخل المحاكم.
ولا يقل أهمية عن ذلك ضرورة بناء ثقة المتقاضين في فعالية الوساطة والصلح، لأن التحفيز القضائي وحده قد لا يكون كافيا إذا لم يواكبه وعي مجتمعي بمزايا هذه الآليات من حيث الكلفة والسرعة والحفاظ على المصالح المتبادلة. كما أن التتبع الدوري لنتائج التطبيق، كما أشارت مراسلة السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، يظل خطوة محورية لتفادي تحول هذا التوجه إلى مجرد ممارسة شكلية تضاف إلى إجراءات المسطرة دون أثر ملموس على زمن العدالة وجودتها.

