دور التدبير الإلكتروني لعمليات التحفيظ العقاري في إرساء الأمن العقاري

سفيان ارشوق

خريج ماستر العلوم القانونية

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال

جامعة محمد الخامس بالرباط

 

مقدمة:

يُعد العقار المحرك الأساسي للدورة الاقتصادية والعمود الفقري الذي تقوم عليه مختلف المشاريع الاستثمارية الكبرى، مما جعل من التنمية العقارية مدخلاً إلزامياً لتحقيق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي الشامل. وضمن هذا السياق الاستراتيجي، تندرج رؤية المملكة المغربية تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، والتي جعلت من تحديث الإدارة وعصرنتها عبر “التحول الرقمي” خياراً سيادياً لا رجعة فيه؛ حيث أكدت الخطب الملكية السامية في أكثر من مناسبة على ضرورة تطويع التكنولوجيا لخدمة المرتفق وترسيخ قيم الشفافية والنجاعة.

ويحتل قطاع التحفيظ العقاري مكانة محورية في هذا التوجه، بالنظر إلى طبيعته الحساسة المرتبطة بالأمن القانوني والقضائي للملكية الخاصة. فبعد عقود من التدبير الورقي التقليدي الذي كان يصطدم بإكراهات البطء وتعقيد المساطر، جاء اعتماد “التدبير الإلكتروني لعمليات التحفيظ” كاستجابة حتمية لمواكبة التطورات العالمية، وكأداة قانونية وتقنية تهدف إلى تحويل العقار من مجرد أصل جامد إلى وعاء آمن ومحفز للاستثمار.

وتبرز الإشكالية المحورية لهذا الموضوع في مدى قدرة التدبير الإلكتروني لعمليات التحفيظ العقاري على تحقيق التوازن بين متطلبات السرعة والنجاعة الإدارية وبين ضرورة توفير الأمن العقاري وحماية الملكية الخاصة. وتتفرع عن هذه الإشكالية الأسئلة الجزئية التالية:

  1. ما هو الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يؤطر التحول الرقمي في منظومة التحفيظ؟

  2. كيف تساهم الخدمات الرقمية عملياً في تحصين العقار وتعزيز الثقة لدى المرتفقين؟

  3. وما هي العوائق التي لا تزال تحد من الفعالية المطلقة لهذا التدبير الإلكتروني؟

وللإجابة عن هذه التساؤلات، سيتم اعتماد التصميم التالي:

المطلب الأول: المرتكزات القانونية والتقنية للتدبير الإلكتروني العقاري.

المطلب الثاني: دور الرقمنة في تعزيز الأمن العقاري وتحديات الاستدامة.


المطلب الأول: المرتكزات القانونية والتقنية للتدبير الإلكتروني العقاري

إن الانتقال نحو “الإدارة العقارية الرقمية” لم يكن مجرد استبدال للوسائل الورقية بأخرى إلكترونية، بل هو إعادة هندسة شاملة للمساطر القانونية. هذا التحول يستمد قوته من تكامل بين نص قانوني مانح للشرعية وبنية تقنية ضامنة للتنفيذ، وهو ما سنفصله في الفقرتين التاليتين:

الفقرة الأولى: الإطار التشريعي والمنظومة القانونية للرقمنة

لم يترك المشرع المغربي التحول الرقمي في المادة العقارية رهيناً للاجتهادات الإدارية، بل أحاطه بترسانة قانونية متدرجة تضمن “الأمن القانوني” للمرتفقين. فبالإضافة إلى الحماية الدستورية لحق الملكية، شكل القانون رقم 14.07 المنعطف الأساسي عبر الفصل 106، الذي لم يعد يعتبر التبادل الإلكتروني مجرد إمكانية، بل أصلاً من أصول المعالجة الإدارية الحديثة. وقد تعزز هذا التوجه بصدور القانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة في المعاملات الإلكترونية، الذي أحدث ثورة في نظام الإثبات المغربي؛ حيث منح التوقيع الإلكتروني “المؤمن” ذات الحجية التي يتمتع بها التوقيع اليدوي، مما سمح للموثقين والعدول بمباشرة تقييد الحقوق العقارية دون حاجة للتنقل المادي.

وعلاوة على ذلك، جاء المرسوم رقم 2.18.181 ليفصل في الجوانب الإجرائية، حيث نظم عمليات الإيداع اللامادي لملفات التحفيظ، وتحديد كيفيات الأداء الإلكتروني للواجبات القضائية ورسوم المحافظة. إن هذا التراكم التشريعي يهدف في جوهره إلى خلق بيئة قانونية “منسجمة” تقطع مع البيروقراطية التقليدية، وتمنح المحررات الإلكترونية الصادرة عن المحافظين على الأملاك العقارية قوة تنفيذية لا تقبل الطعن إلا وفق ضوابط صارمة، مما يرسخ اليقين القانوني لدى المستثمرين الوطنيين والأجانب على حد سواء.

الفقرة الثانية: الآليات التقنية والمنصات التفاعلية

بموازاة التأصيل القانوني، سعت الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية إلى إرساء بنية تحتية رقمية متطورة تترجم النصوص إلى واقع ملموس. وتتجلى هذه المرتكزات في إحداث منصات تفاعلية متخصصة، مثل “فضاء الموثقين” و”فضاء المهندسين المساحيين”، والتي تسمح بتبادل المعطيات الطبوغرافية والقانونية عبر قنوات مشفرة تضمن سرية البيانات وسلامتها من التلاعب. هذه المنصات تعتمد على نظم المعالجة الآلية للمعطيات التي تتيح أرشفة إلكترونية شاملة للرسوم العقارية، مما يسهل عملية استخراج “شهادة الملكية الإلكترونية” التي أصبحت تُسلم في وقت قياسي وبمواصفات أمنية عالية.

ولا تتوقف هذه الآليات عند حدود المعالجة الإدارية، بل تمتد لتشمل “المكننة الشاملة” لسجلات الملكية، حيث يتم تحويل الأرشيف العقاري التاريخي إلى بيانات رقمية قابلة للاسترجاع والتحليل. إن هذه الهندسة التقنية تضمن دقة “الهوية العقارية”، وتمنع حدوث التداخلات بين الرسوم العقارية أو الأخطاء في التحديد المساحي، وهو ما يشكل الركن المادي للأمن العقاري. فالتكنولوجيا هنا لا تعمل كأداة للتسريع فحسب، بل كجهاز رقابي آلي يكشف الاختلالات المسطرية قبل فوات الأوان، مما يعزز من مصداقية السجل العقاري المغربي في سوق العقار الدولي.


المطلب الثاني: دور الرقمنة في تعزيز الأمن العقاري وتحديات الاستدامة

إذا كان المطلب الأول قد استعرض البنية التحتية (القانونية والتقنية)، فإن هذا المطلب يرصد “الأثر والنتيجة”؛ أي كيف تحول هذا التدبير الإلكتروني إلى درع واقٍ للملكية العقارية، مع استعراض المعوقات التي قد تحول دون تحقيق “الأمن العقاري الرقمي الشامل”.

الفقرة الأولى: تجليات الأمن العقاري في ظل التدبير الرقمي

ساهم التدبير الإلكتروني في انتقال الأمن العقاري من مفهومه “الاستاتيكي” الجامد إلى مفهوم “ديناميكي” تفاعلي. وتتجلى أبرز هذه المظاهر في خدمة “محافظتي”، التي أحدثت ثورة في العلاقة بين المرتفق وعقاره؛ فمن خلالها انتقل المالك من دور “المراقب السلبي” إلى دور “الشريك اليقظ” الذي يتوصل بإشعارات فورية عبر رسائل نصية حول أي تقييد أو تشطيب يهم رسمه العقاري. هذا النظام الوقائي قطع الطريق أمام ظاهرة “الاستيلاء على عقارات الغير” التي كانت تستغل بطء تبادل المعلومات في النظام الورقي.

علاوة على ذلك، أدت الرقمنة إلى تعزيز “الأمن الثباتي” للسندات العقارية؛ فاعتماد شواهد الملكية الرقمية المذيلة بالتوقيع الإلكتروني والمدعومة برمز الاستجابة السري (QR Code) جعل من عملية التحقق من صحة الوثيقة أمراً متاحاً في ثوانٍ معدودة، مما قضى على مخاطر تزوير المحررات الرسمية. وتستنتج هذه الفقرة أن التدبير الإلكتروني أدى إلى “شخصنة” الحماية القانونية، بحيث أصبح لكل عقار “بصمة رقمية” لا يمكن التلاعب بها، وهو ما انعكس إيجاباً على مناخ الاستثمار، حيث يجد المستثمر نفسه أمام منظومة عقارية شفافة، موحدة المساطر، ومحصنة تقنياً وقانونياً ضد النزاعات الكلاسيكية الناتجة عن تداخل الاختصاصات أو ضياع الوثائق.

الفقرة الثانية: التحديات الواقعية وآفاق التطوير

رغم المكتسبات المحققة، فإن استدامة الأمن العقاري الرقمي تصطدم بتحديات بنيوية لا تزال قيد المعالجة. يبرز في مقدمتها تحدي “الأمن السيبراني”؛ فمركزة المعطيات العقارية الوطنية في قواعد بيانات ضخمة تجعلها هدفاً استراتيجياً لهجمات القرصنة المتطورة. إن حماية “السيادة الرقمية” للعقار المغربي تتطلب استثمارات ضخمة في أنظمة التشفير والدفاع الاستباقي لضمان عدم اختراق السجلات أو إتلافها. كما يطرح “قصور الثقافة الرقمية” لدى فئة واسعة من المواطنين تحدياً اجتماعياً، حيث لا تزال هناك فجوة بين الخدمات المتاحة إلكترونياً وبين قدرة المرتفق (خاصة في العالم القروي) على استيعابها والوثوق بها، مما قد يؤدي إلى “إقصاء رقمي” يمس بجوهر الحماية القانونية من حيث المبدأ.


خاتمة

ختاماً، يمكن القول إن التدبير الإلكتروني لعمليات التحفيظ العقاري قد أحدث ثورة في مفهوم الأمن العقاري بالمغرب، حيث انتقل به من المقاربة الورقية البطئية إلى المقاربة الرقمية التفاعلية، وحيث يخلص البحث إلى الملاحظات التالية:

  • الرقمنة ليست مجرد تقنية، بل هي وسيلة لحماية حق الملكية الدستوري وتكريس الحكامة.

  • الحجية القانونية الكاملة للمخرجات الرقمية هي الضامن الأساسي لثقة المستثمرين والمرتفقين.

  • الأمن العقاري الرقمي عملية مستمرة تقتضي التحديث الدائم للبنيات التحتية المعلوماتية والتشريعية.

 

قائمة المراجع:

أولاً: النصوص القانونية والتنظيمية

  1. الدستور المغربي لسنة 2011 (لاسيما الفصل 35 المتعلق بحماية حق الملكية).

  2. الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) المتعلق بالتحفيظ العقاري، كما وقع تعديله وتتميمه بمقتضى القانون رقم 14.07.

  3. القانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة في المعاملات الإلكترونية.

  4. القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية.

  5. القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.

  6. المرسوم رقم 2.18.181 الصادر في 10 ديسمبر 2018 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات التدبير الإلكتروني لعمليات التحفيظ العقاري والخدمات المرتبطة بها.

ثانياً: المؤلفات العامة والخاصة

  1. محمد خيري، العقار وقضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، طبعة 2014.

  2. إدريس الفاخوري، نظام التحفيظ العقاري بالمغرب، مطبعة دار نشر المعرفة، الرباط، طبعة 2018.

  3. عبد العلي الدقوقي، الوجيز في القانون العقاري المغربي، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2020.

  4. أحمد أوزيان، الحماية القانونية للملكية العقارية في ضوء نظام التحفيظ العقاري، مطبعة الأمنية، الرباط، 2015.

ثالثاً: الأطروحات والرسائل الجامعية

  1. رسالة لنيل الماستر، تحديث الإدارة العقارية بالمغرب بين رهان التبسيط ومتطلبات الأمن العقاري، جامعة محمد الخامس، الرباط.

  2. أطروحة دكتوراه، حجية المعاملات الإلكترونية في المادة العقارية: دراسة مقارنة، جامعة القاضي عياض، مراكش.

رابعاً: المقالات والمجلات العلمية

  1. مجلة الحقوق، عدد خاص حول “العقار والرقمنة: أية حماية للملكية العقارية في العصر الرقمي؟”، مطبعة المعارف، 2021.

  2. منشورات الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، دليل الخدمات الإلكترونية للوكالة، إصدارات سنة 2019.

  3. ندوة علمية، “الأمن العقاري في ظل التحول الرقمي”، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، 2022.

قد يعجبك ايضا