تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية: بين الواقع والآفاق
الدكتور محمد البغدادي
باحث في العلوم القانونية
جامعة عبد المالك السعدي بطنجة – المملكة المغربية
مقدمة:
معلوم أن موضوع تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أضحى مسألة حتمية، وفق الفكر البناء لصاحب الجلالة الملك محمد السادس أعزه الله، وبالنظر للزخم الدولي والموقف الأممي المتصاعد تجاه ملف الوحدة الترابية للمملكة. وتأتي هذه الخطوة استجابةً للمتغيرات الجيو-استراتيجية والتحولات الدولية والإقليمية الجارية في نظام دولي متعدد الأقطاب، وكذا انسجاماً مع التطورات الداخلية والتراكمات الإيجابية لقضية الصحراء المغربية، وفق مقاربة تشاركية وتشاورية واسعة مع مختلف القوى الحية للأمة المغربية.
ويمكن تعريف تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي على أنها عملية تكييف وملاءمة للطرح المغربي السيادي مع الأجهزة الأممية والمحافل الدولية والتطورات الوطنية الحاصلة داخل المملكة.
واعتباراً لأهمية هذه الخطوة في استئناف المفاوضات وتعزيز الحل السياسي الواقعي، فإن الإشكالية المحورية تتمثل في: كيف يمكن تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية؟ ويتفرع عن هذه الإشكالية التساؤلات التالية:
ما هو واقع تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية؟
ما هي آفاق تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية؟
ولمقاربة هذا الموضوع، ارتأينا الاعتماد على التقسيم التالي:
المبحث الأول: واقع تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
المبحث الثاني: آفاق تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
المبحث الأول: واقع تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية
من البديهي أن ملف الوحدة الترابية للمملكة عرف تحولاً نوعياً ومنعطفاً حاسماً في تاريخ النزاع الإقليمي المفتعل، وذلك من خلال النجاح الكبير الذي سجلته الدبلوماسية الملكية. وعليه، سوف نتطرق إلى اختراقات ونجاحات الدبلوماسية الملكية في المطلب الأول، والاعتراف الأممي والدعم الدولي المتنامي في المطلب الثاني.
المطلب الأول: اختراقات ونجاحات الدبلوماسية الملكية
لقد حقق المغرب عدداً كبيراً من النجاحات الدبلوماسية، تتمثل أساساً في سحب العديد من الدول اعترافها بـ “الجمهورية الوهمية”، حيث وصلت إلى 58 دولة من أصل 80 سابقة. كما وجد أكثر من 123 دولة تعترف بمقترح الحكم الذاتي الصادر في 11 أبريل 2007، بما يمثل 60% من أعضاء الأمم المتحدة، فضلاً عن الاعتراف البريطاني بمغربية الصحراء سنة 2025، والاعتراف الفرنسي الواضح سنة 2024، على غرار الموقفين الألماني والإسباني سنة 2022.
وإلى جانب ذلك، يبرز الاعتراف الأمريكي التاريخي بسيادة المغرب على كامل صحرائه بتاريخ 10 دجنبر 2020، وفتح القنصليات العامة الإفريقية والعربية والأجنبية بالأقاليم الجنوبية، بالإضافة إلى إقناع مجلس الأمن الدولي بإدراج الجزائر كطرف أساسي ومباشر في الملف منذ سنة 2018، والعودة المظفرة للمغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017.
المطلب الثاني: الاعتراف الأممي والدعم الدولي المتنامي
أكد مجلس الأمن الدولي بتاريخ 31 أكتوبر 2025 على دعم مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل وحيد. وجاء القرار (رقم 2797) بتأييد 11 صوتاً وامتناع 3 دول، دون اعتراض من أي دولة دائمة العضوية، فيما لم تشارك الجزائر في عملية التصويت، مما يكرس رجاحة الموقف المغربي بعد نصف قرن من الصراع المفتعل.
المبحث الثاني: آفاق تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية
تعتبر مسألة تحيين وتفصيل المبادرة مرحلة فاصلة ونقلة نوعية في تاريخ بناء المغرب الموحد، تماشياً مع مستجدات النظام العالمي. وسنناقش في المطلب الأول الاجتماع التشاوري مع الأحزاب السياسية، وفي المطلب الثاني ملاءمة المبادرة مع التطورات الداخلية والخارجية.
المطلب الأول: اجتماع مستشاري جلالة الملك مع زعماء الأحزاب السياسية
شكل بلاغ الديوان الملكي بتاريخ 10 نونبر 2025 دليلاً صريحاً على نهج المقاربة التشاركية، حيث انعقد اجتماع بتعليمات ملكية سامية ترأسه السادة الطيب الفاسي الفهري، وعمر عزيمان، وفؤاد عالي الهمة، مع زعماء الأحزاب الوطنية. وقد خُصص الاجتماع لموضوع تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي تنفيذاً للقرار الملكي الوارد في خطاب 31 أكتوبر.
وقد عبر زعماء الأحزاب عن اعتزازهم بالقرار الملكي الرامي لإشراك القوى الحية في بلورة تصور متكامل يضمن عودة إخواننا بمخيمات تندوف للمساهمة في تدبير شؤونهم المحلية في إطار المغرب الموحد، مؤكدين التزامهم برفع مذكرات تفصيلية بهذا الخصوص للمقام السامي في أقرب الآجال.
المطلب الثاني: ملاءمة مبادرة الحكم الذاتي مع التطورات الخارجية والداخلية
تستوجب الظرفية الحالية ملاءمة المبادرة مع المكتسبات التي حققها المغرب تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، والمتمثلة في:
دستور 2011: الذي أسس لجهوية متقدمة وديمقراطية تشاركية.
الجهوية المتقدمة: والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية لسنة 2015.
النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية (2015): الذي أحدث طفرة بنيوية في المنطقة.
الميثاق الوطني للاتمركز الإداري (2018).
النموذج التنموي الجديد (2021).
المبادرة الملكية الأطلسية: لتمكين دول الساحل من الولوج للمحيط، ومشروع أنبوب الغاز المغرب-نيجيريا، مما يجعل الصحراء قطباً اقتصادياً قارياً.
المستجد الأممي: الذي يمهد الطريق لتصحيح وضعية المغرب داخل الاتحاد الإفريقي بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن 2797.
الخاتمة:
تأسيساً على ما سبق، يتضح أن تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي يخضع لمقاربة تشاركية واسعة تماشياً مع المبدأ الدستوري “للديمقراطية المواطنة التشاركية”، الذي أصبح مذهباً في الحكم والعمل. إن هذا المسار لا يهدف فقط إلى تعزيز النجاعة والفعالية، بل يسعى إلى ترسيخ الحكامة والجدية في تدبير الملفات المصيرية للمملكة، بما يحفظ وحدتها الترابية ويضمن مستقبل الأجيال القادمة.
لائحة المراجع:
الوثائق الرسمية:
بلاغ الديوان الملكي المؤرخ في 10 نونبر 2025 حول تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
الخطاب الملكي السامي المؤرخ في 31 أكتوبر 2025 حول الإقرار الأممي بمبادرة الحكم الذاتي.
قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 المؤرخ في 31 أكتوبر 2025.
البرامج الإعلامية:
إدريس لكريني، “المغرب ودول الساحل الإفريقي وفرص الواجهة الأطلسية”، قناة دوزيم، 24 دجنبر 2023.
الموساوي العجلاوي، “تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي”، قناة دوزيم، 10 نونبر 2025.
محمد تاج الدين الحسيني، “الخطاب الملكي السامي: فتح جديد في مسار الحسم الدبلوماسي”، القناة الأولى، 1 نونبر 2025.
عادل فرج، “المبادرة الملكية الأطلسية: بوابة المحيط للدول الإفريقية”، ميدي1 تيفي، 27 سبتمبر 2025.
عبد الحميد جماهري، “تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي”، قناة دوزيم، 11 نونبر 2025.
عبد الحفيظ أدمينو، “القرار الأممي: تتويج للرؤية الملكية”، قناة دوزيم، 1 نونبر 2025.
عبد الرحيم منار اسليمي، “ولوج بلدان الساحل إلى المحيط الأطلسي”، ميدي1 تيفي، 25 دجنبر 2023.
عز الدين خمريش، “تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي”، ميدي1 تيفي، 2 نونبر 2025.
رشيد قاعدة، “الأهمية القانونية والسياسية لقرار مجلس الأمن”، ميدي1 تيفي، 1 نونبر 2025.