الذكاء الإصطناعي وإدارة تدفقات الهجرة و آثارها على التنمية

Artificial Intelligence and the Governance of Migration Flows: Developmental Impacts and Implications

سعيد شرو

باحث في سلك الدكتوراه

بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية

جامعة سيدي محمد بنعبد الله بفاس

 

الذكاء الإصطناعي وإدارة تدفقات الهجرة و آثارها على التنمية

Artificial Intelligence and the Governance of Migration Flows: Developmental Impacts and Implications

Abstract :

The discourse dominations the international arena revolves almost exclusively around the pressing realities of artificial intelligence, digital transformations, and the information leap. Recently, the world has been experiencing an unprecedented révolutions in the sphere of technological advancements across all fields and at all levels.

These développements have arguably contributed to new productive patterns within the framework of social interaction. Notably, the concept of the digital economy has emerged as a fundamental orientation in the public policies of contemporary systems, particularly in developed nations, where it has come to represent a core state direction and strategy. This is without overlooking the newly prominent concept of digital sovereignty . Moreover, this transformation reflects not merely the significant evolution in communication technologies and information intelligence, but more profoundly, the pervasive encroachment of modern technologies into all vital sectors such as education, health, and public services…

 

مقدمة :

لا حديث يعلو في الساحة الدولية و حتى الوطنية سوى عن راهنية وآفاق الذكاء الإصطناعي والتحولات الرقمية و الطفرة المعلوماتية الغير مسبوقة ، إلى جانب النقاش التفاعلي لجميع الفرقاء حول كيفية استيعابها و إدماجها في استراتيجية الدول و توجهاتها الكبرى ، حيث يعيش العالم في الآونة الأخيرة ثورة غير مسبوقة في مجال التطورات التكنولوجية في جميع المجالات و على كافة المستويات .

ولعل هذه المتغيرات ساهمت في إعادة تشكيل أنماط إنتاجية جديدة في إطار التفاعل الاجتماعي ، حيث برز مفهوم الإقتصاد الرقمي كتوجه رئيسي _ في السياسات العمومية للأنظمة المعاصرة خاصة في الدول المتقدمة حيث أصبح توظيف الذكاء الإصطناعي ضرورة ملحة مع مراعاة المتغيرات الرقمية _ يفرض نفسه ضمن التوجهات الإستراتيجية الكبرى للدول دون إغفال المفهوم الجديد المتعلق بالسيادة الرقمية La Souveraineté numérique

كما ان هذا التحول التكنولوجي و التطور الرقمي لا يقصد به أساسا التطورالكبير في تقنيات الإتصال و التواصل وذكاء المعلوميات فقط ، بقدرما يترجم هيمنة التكنولوجيات الحديثة لكافة المجالات الحيوية من تعليم و صحة وخدمات عامة.

غير ان إدماج الإقتصاد الرقمي في بعض الدول النامية لايزال قيد المعالجة إلى محدود ، كما انه لا يساير سرعة و نجاعة التحولات التكنولوجية التي أصبحت تتغير خوارزمياتها و انماطها بشكل دوري بل شبه يومي تقريبا ، مما ينعكس سلبا على الإنتاجية الإقتصادية و بالتالي على العلاقات الإجتماعية . والمغرب ضمن هذه القائمة رغم كل الجهود المبذولة و الرغبة الواضحة و الطموحة في إرساء اساسيات الرقمنة و مسايرة المتغيرات التكنولوجية في جميع القطاعات من خلال إحداث وزارة وصية تحت إسم ” وزراة الإنتقال الرقمي و إصلاح الإدارة ” ، بالإضافة إلى ” وكالة التنمية الرقمية ” ، غير انه لازال يسعى في المستوى الذي وصلت إليه بعض الدول الرائدة في المجال الرقمي خصوصا الدول العربية كدولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية و دولة قطر.

كل ما سلف ذكره ساهم في إفراز نوع جديد من الهجرة تعرف بهجرة الكفاءات _ خاصة في المجال الرقمي _ حيث أصبح عدد من الأشخاص لا يجدون بنية تحتية لممارسة الأعمال التي يزاولونها في بلدانهم الأصلية مما يضطرهم إلى المغادرة و الهجرة سواء بأساليب غير مشروعة و بطريقة غير نظامية ، او عبر هجرة انتقائية و نظامية نحو البلدان التي توفر لهم فرصا تتيح ممارسة مؤهلاتهم و تُمكِّنُهم من تنمية معارفهم ، و تُسهم في استقراههم المالي و الأسري مع الرفع من مستوى الإنتاج ، و بالتالي نمو معدل المردويدية كأحد مبادئ الإستقرار الإقتصادي المتعارف عليها في تحليل و قياس جودة الوضع الإقتتصادي و محدد رئيسي لتطوره مما يؤثر إما سلبا او إيجابا على مؤشر التنمية.

و من اجل الإجابة عن إشكالية تأثير التكنولوجيا على الهجرة والتنمية سنحاول في هذا المقال المتواضع إبراز العلاقة بين الطفرة التكنولوجية و علاقتها بالهجرة و التنمية من خلال طرح الإشكالية التالية ، كيف اسهمت التحولات الرقمية في بروز تدفقات و مسارات جديدة في هجرة الكفاءات ؟ و كيف تؤثر هذه المسارات الجديدة على دول المنشأ و دول العبور و دول الاستقبال على حد سواء ؟

 

اولا : إسهام التحول الرقمي في إبراز النموذج التنموي الجديد

صدر كتاب الرحالة الرقميون سنة 2001 كأحد اول الكتب التقنية العالمية التي استشرفت التغيير الذي سيقع عند استعمال التكنولوجيا الرقمية في حياتنا وعملنا وهو كتاب استشرافي رؤيوي صدر عام 2001 للمهندسين والخبيرين التقنيين تاكيشي ماكيموتو و ديفيد مانرز. Digital Nomad

ويشرح الكتاب مفهوم الرحالة الرقمي بذلك الإنسان الذي يتخطى الز_مكان حيث اصبح ممكنا ان يعيش و يتنقل دون ترسيم او حتى تحديد إقامته ، وفي زمن غير ثابت لكنه مرن وبراعي الآجال المعقول بفضل الوسائل التكنولوجيا التي تتيح له إمكانية العمل و التواصل بل حتى التقرير و الموافقة عن بعد ، دونما حاجةٍ للحضور او التواصل المباشر .

وتجدر الإشارة إلى أن المؤلفان في الكتاب كانت توقعاتهم وظيفية تقنية محضة رغم انعدام أدنى مؤشرات النمط الجديد في العيش وفق نسق تكنولوجي منظم بخورزميات آلية متجددة و جد متقدمة آنذاك ، بل كان محصورا في فئة قليلة من رجال الأعمال ولا يعدو أن يكون مرتبط بواسائل الإتصال و التواصل دون المميزات الحديثة التي أصبحت تتعدى هذه الوظائف التقليدية للرقمنة ، ورغم ذلك لم يمنع من التنبئ باتساع وعاء الإستعمال التكنولوجي في الحياة اليومية بشكل اعتيادي و مرن من خلال وسائل التواصل والإتصال كالهواتف و الحواسيب و الخزانات المعلوماتية ، وهو ما قع فعلا حيث اصبحت الإمكانية بعد التحولات الرقمية التي نعيشها اليوم مرتبطة بحرية الأفراد حول رغبتهم في التنقل او الإستقرار في مكان ثابت و مزاولة مهامهم منه دون إقامة ثابتة .

لقد جعلت هذه المتغيرات التكنولوجية عددا من البلدان تراجع كيفية إدماجها في السياسات العمومية و جعلها رافعة تنموية حقيقية على المستوى الإقتصادي و الإجتماعي و ذلك من خلال تحليل البيانات وعلاقتها مع وثيرة الإنتاج الإقتصادي لاسيما مع اتساع نطاق الخدمات الرقمية مما سهل خلق فرص شغل بأنماط جديدة ترتبط اساسا بالمهارات الرقمية ، وهو ما نتج عنه تدفقات جديدة للهجرة في علاقتها مع التنمية الرقمية و خصوصا السيادة الرقمية .

 

ثانيا : إلتقائية التحولات الرقمية و تأثيرها على الهجرة و التنمية

أسهم الإنتشار الواسع لتكنولوجيا المعلوميات والإتصالات، وتحديداً شبكات التواصل الإجتماعي، في إعادة تعريف ظاهرة الهجرة في علاقتها بالتنمية .

لقد تجاوزت هذه الوسائل و الٱليات الرقمية تلك الصورة النمطية التقليدية للمهاجر المنفصل عن وطنه، نحو نموذج أكثر مرونة و ديناميكية ، كما يصفه الباحث دانا ديمينيسكو، حيث يكون المهاجر حاضرا اجتماعياً وعاطفياً مع مجتمعه الأصلي عبر هاتفه المحمول ومنصات التواصل الرقمي . وبذلك ينتقل المهاجر مما وصفه عالم الإجتماع عبد المالك صياد سابقاً بـ “الغياب المزدوج” – غياب جسدي عن الوطن وغياب رمزي عن المجتمع المضيف – إلى حالة يمكن توصيفها بـ “الحضور المزدوج”. في هذه الحالة، يظل المهاجر متصلاً ومتفاعلاً مع شبكاته في بلد المنشأ وبلد الاستقبال على حد سواء، مما يخلق فضاءً هجيناً للانتماء والعمل .

وفي نفس السياق تمت إعادة تشكيل الجغرافيا الإقتصادية وهجرة الكفاءات من خلال تحول العديد من المهن إلى فضاء رقمي بأنماط إنتاجية جديدة. فبعض الأفراد أصبحوا يعملون لصالح كيانات في دول بعيدة دون حاجة للإنتقال المادي، مما حول ” قوى العمل” في كثير من الحالات إلى ” قوى رقمية ” . ومع ذلك، لا يزال الضعف الهيكلي في البنية التحتية الرقمية والتشريعات الداعمة في العديد من الدول النامية يدفع بكفاءاتها الرقمية إلى الهجرة الفعلية نحو دول أكثر تقدماً رقمياً. وهذا يخلق حكامة في دينامية هجرة انتقائية جديدة، حيث تتحول الكفاءات الرقمية إلى “مهاجرين قطبيين” يتجهون من المناطق الأقل نضجاً رقمياً نحو مراكز الإبتكار التكنولوجي.

لقد تجاوزت العلاقة بين الهجرة والتنمية المقاربة التقليدية القائمة على دور التحويلات المالية والإستثمارات في تنمية بلد المنشأ، أو مساهمة العمالة المهاجرة في نمو اقتصاد بلد الاستقبال ، بل في العصر الرقمي، أصبحت هذه العلاقة أكثر مرونة وتعقيداً في آن واحد.

فقد ظهرت تدفقات جديدة في مجال الهجرة الدولية و تختلف جذرياً عن النماذج السابقة، لا سيما في دوافع الأفراد العاملين في القطاعات الرقمية ، كما تحول المهاجر من كونه فاعلاً مؤسسياً محدد الموقع وفي زمن معين إلى “فاعل شبكي” يتجاوز الحدود السياسية والمؤسسات التقليدية. فمن خلال العمل الرقمي يستطيع المهاجر اليوم الإسهام في مسارات تنموية متعددة بطرق مبتكرة، تربط بين فضاءات جغرافية واقتصادية متنوعة دون أن يكون حاضراً فيها جسدياً بالضرورة.

ولا بد من الإشارة هنا إلى دراسة الباحثان بيلي أدريان وزو جيالينغ الداعية إلى تجاوز المقاربات الكلاسيكية في دراسة العلاقة بين الهجرة والتنمية. من خلال دراستهما المعنونة “الهجرة والرقمنة والتنمية المستدامة: تجاوز الخيط الرفيع”، يقترحان توسيع الأفق التحليلي ليشمل المقاربات التي أفرزتها الحقبة الرقمية . ويركز هذا العمل على الكشف عن الفرص والآفاق الجديدة التي تفتحها الرقمنة – بما في ذلك وفرة البيانات وتغلغل التقنيات في الحياة اليومية – لإعادة التفكير الجذري في العلاقة بين الهجرة وتحقيق التنمية المستدامة، متجاوزاً الإطارات النظرية التقليدية.

 

ثالثا : تأثير الفجوة الرقمية على حركية اليد العاملة والتنمية المستدامة

يشهد العصر الرقمي تحولاً جوهرياً يتطلب تجاوز المقاربات الكلاسيكية لدراسة العلاقة بين الهجرة والتنمية. فلم تعد الظاهرة تقتصر على الانتقال المادي التقليدي، بل أفرزت مفاهيم جديدة مثل “الاقتصاد الرقمي”، و”الإقامة الرقمية”، و”الإدارة الرقمية للهجرة” . تشير الدراسات الحديثة إلى أن تحقيق إمكانات التنمية المستدامة أصبح رهيناً بشكل متزايد بقدرة الدول على تبني واستيعاب هذه المفاهيم وهندسة سياسات قادرة على توظيفها .

وفي هذا الخصوص يقدم الباحثان تشين وجو (Chen & Xu, 2024) في دراستهما تحليلاً دقيقاً لهذه الديناميكية المتواترة ، حيث تخلص الدراسة إلى أن البنية التحتية الرقمية لا تشكل عاملاً محدداً للحيوية الاقتصادية للمناطق فحسب، بل هي أيضاً شرط أساسي لمشاركتها الفاعلة في مسارات التنمية المستدامة. حيث تمكن البنية التحتية المتطورة الأفراد من الوصول إلى فرص العمل والموارد الجديدة التي يولدها الاقتصاد الرقمي .

يبرز من خلال هذه التحليلات تحول جذري و عميق في العلاقة بين الهجرة والتنمية في ظل الث deورة الرقمية. لم تعد الهجرة مجرد انتقال فيزيائي، بل أضحت عملية معقدة تعيد تشكيل ديناميات الحراك البشري وتخلق أشكالاً جديدة من التنقل (Mobility) ترتبط ارتباطاً عضوياً بفرص العمل الرقمية والاندماج في الشبكات الاقتصادية والمجالية العالمية .

و من خلال ما سبق ذكره يظهر جليا ارتباط الهجرة ارتباطاً عضوياً بفرص العمل الرقمية والإندماج في الشبكات الإقتصادية والمجالية العالمية. وهذا ما يستدعي إعادة التفكير النظري في إشكالية الهجرة والتنمية من خلال إعمال المقاربات النظرية الجديدة التي أفرزها التحول الرقمي و المتمثلة في معالجة التحديات الإنسانية الناجمة عن استمرار الفجوة الرقمية، والتي تؤدي إلى تفاوتات مجالية واجتماعية متزايدة ، دون إغفال غياب بنية تحتية رقمية متطورة ومتكيفة مع المتطلبات الحديثة مما سيؤدي حتماً إلى تسارع هجرة الكفاءات الرقمية (نزيف الأدمغة الرقمي) . مما ينتج عن تحويل استثمارات رأس المال الجديد (Venture Capital) نحو الدول التي تؤسس للإرتباط المكثف للأفراد بالفضاء الرقمي كشكل جديدا من “الحركية ذات الطابع المزدوج”، حيث يمكن للمهاجر أو العامل أن يشارك في اقتصادات متعددة (مادية ورقمية) من موقع جغرافي واحد، مما يعيد تعريف مفهوم الحضور والمساهمة الاقتصادية.

 

خلاصة :

نخلص مما سلف ذكره أن العلاقة بين الهجرة و التنمية برزت بشكل متجدد مع التطورات التكنولوجيا الحديثة ، حيث ظهرت انماط جديدة في تدفقات المهاجرين كما اختلفت الأسباب المؤدية إلى الهجرة من الرغبة في النماء الإقتصادي وتجويد المستوى المعيشي إلى البحث عن فرص ملائمة لأنشطتهم المهنية خارج اوطانهم في بلدان متقدمة تراعي البنيات التحتية الرقمية و تتيح إمكانية العمل بطرق مرنة و هجينة ، إضافة إلى الإستفادة من التكوينات المستمرة في مجال التطورات الرقمية و التحفيزات المكملة و جعل الهجرة كرافعة للتنمية استنادا على إسهامات الثورة التكنولوجيا و السهر على التقائيتهما .

تم بحمد الله و توفيقه الله …

Conclusion

Based on the foregoing discussion, we conclude that the relationship between migration and développements has re-emerged with renewed significance in light of modern technological advancements. This has given rise to new patterns in migrant flows. Furthermore, the drivers of migration have evolved, shifting from the traditionnels desire for economic advancement and improved living standards to the pursuit of opportunities abroad that are better suited to professional activities, often in technologically advanced nations. These destination countries are typically characterized by robustas digital infrastructure, flexible and hybrid work arrangements, access to ongoing training in digital developments, and complementary incentives, thereby positioning migration as a lever for development. This potential is predicated on harnessing the contributions of the technological revolution and ensuring synergy between migration and développement objectives .

   Succès is from God alone; by His grace

and eternal bounty this has been concluded.

Les référence bibliographiques :

Bailey, A. I., & Zou, J. Migration, digitalisation et développement durable dans les îles du Pacifique : Leçons, défis et voies à suivre , 2024 .

Y. Shen – C. Dobson : «China’s approach to digital sovereignty: A comparative analysis with the EU. Journal of Cyber Policy, 6(2) 2021 .

Tsugio MAKIMOTO i _ D.MANNERS : Digital Nomad” or “The Digital Nomad: Living and Working in a Borderless World”. , Edition 2001 .

اسكوا : آفاق الإقتصاد الرقمي في المنطقة العربية ، مطبوعات الامم المتحدة ، بيت الأمم المتحدة ، ساحة رياض الصلح ، لبنان ، 2018 .

D. Diminescu- B.Loveluck : ” Traces numériques de la mobilité et nouveaux territoires de la migration : le cas des diasporas hautement qualifiées ” , 2014 .

R.Collet -N. Roudaut : ” La révolution numérique : enjeux et défis pour les pays en développement “. Revue Tiers Monde, 2020.

A.Rallet – F.Rochelandet : “La fracture numérique : une faille sans fondement ?”. Gestion des Réseaux, 2010.

Chen, J., & Xu, Z : Impact of the Digital Divide on Labor Mobility and Sustainable Development in the Digital Economy. Lessons, Challenges, and Ways Forward , 2024.

Granjon F.Lallemand, “L’inclusion numérique comme condition de la mobilité professionnelle et du développement durable”. In Numérique et innovation sociale , 2020.

قد يعجبك ايضا