الشرط التحكيمي ومسطرة الفصل التأديبي في عقود الشغل: قراءة في قرار محكمة النقض
د. نجيب نعومي
أستاذ قانون التحكيم التجاري الدولي
جامعة محمد الخامس بالرباط
كلية الحقوق اكدال
تشكل منازعات الشغل أحد أهم المجالات القانونية التي تتداخل فيها القواعد الآمرة بالقواعد المكملة، ولعل من بين أبرز الإشكاليات العملية التي يطرحها هذا التداخل، نجد العلاقة بين شرط التحكيم، الذي يتفق عليه الطرفان بمقتضى عقد الشغل، كعلاقة تعاقدية، ومسطرة الفصل التأديبي المنصوص عليها في مدونة الشغل المغربية، والتي تعد من قواعد النظام العام.
وفي هذا الإطار، يأتي قرار محكمة النقض -الغرفة الاجتماعية-، موضوع الدراسة، ليضع معالم بارزة لتسوية هذا الإشكال، في إطار رسم حدود قانونية بين مرحلة اقتناع المشغل بقرار الفصل ومرحلة الطعن فيه أمام القضاء المختص.
وقائع القضية:
تستند القضية المرجعية على نزاع بين مشغلة وأجير تم فصله عن الشغل، وحيث تضمن عقد الشغل بندا تحكيميا صريحا -البند 15-، الذي يحيل جميع النزاعات المتعلقة بتنفيذ أو إنهاء العقد إلى مسطرة التحكيم طبقا لمقتضيات القانون المغربي.
ومع ذلك، وبعد أن قامت المشغلة باتباع مسطرة الفصل التأديبي، وأبلغت الأجير في رسالة الفصل بحقه في اللجوء إلى “المحكمة المختصة” خلال 90 يوما، رفع الأجير دعواه مباشرة أمام المحكمة الابتدائية.
وقد قضت كل من المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف لصالح الأجير، معتبرتين أن دعوى المشغلة للأجير في رسالة الفصل للجوء إلى القضاء داخل أجل 90 يوما يشكل تنازلا ضمنيا عن الشرط التحكيمي، ضد هذا القرار، ثم الطعن بالنقض.
التحليل القانوني:
يمكن تحليل الاجتهاد القضائي لهذا القرار من خلال المحاور التالية:
1. التمييز الجوهري بين مسطرة الفصل التأديبي (النظام العام) ومرحلة المنازعة القضائية (مجال الإرادة):
أكد القرار على مبدأ في غاية الأهمية، وهو أن سلطة المشغل في تطبيق مسطرة الفصل التأديبي المنصوص عليها في المواد 62 إلى 64 من مدونة الشغل هي سلطة أصيلة ومستقلة [1].
- طبيعة الإجراء:
هذه المسطرة هي إجراء أولي وإداري بالدرجة الأولى، تسبق أي نزاع قضائي، وتهدف إلى ضمان حقوق الدفاع للأجير والتحقق من صحة الوقائع المنسوبة إليه، وهي بذلك تعد من النظام العام ولا يجوز للأطراف الاتفاق على إلغائها أو مخالفتها، بغض النظر عن الجهة التي ستفصل في النزاع لاحقا [2].
- تحقق النزاع:
رأت محكمة النقض أن “واقعة نشوب النزاع تتحقق فعليا انطلاقا من مرحلة منازعة الأجير في قرار الفصل”، أي بعد انتهاء المسطرة التأديبية واتخاذ قرار الفصل النهائي. وبالتالي، فإن مجرد شروع المشغل في إجراءات الفصل لا يعني بداية النزاع القابل للتحكيم.
2. سريان الشرط التحكيمي والتزام الطرف المدعي به:
دفع القرار بأن الالتزام بالشرط التحكيمي يبدأ من لحظة تحقق النزاع، أي عندما يعتزم الأجير -أو المشغل في بعض الحالات- الطعن في قرار الفصل.
- عبء إثبات الالتزام بشرط التحكيم:
يقع على عاتق الطرف الذي يبادر برفع الدعوى -المدعي- الالتزام بالشرط التحكيمي، ففي هذه الواقعة، كان على الأجير، بصفته المدعي بالتعويض عن الفصل التعسفي، أن يرفع دعواه أمام هيئة التحكيم المختصة، وفقا للبند 15 من العقد، وطبقا لقانون المسطرة المدنية، والنظام الأساسي للتحكيم الخاص بالهيئة التحكيمية، وليس أمام المحكمة الابتدائية [3].
- خطأ محكمة الموضوع:
اعتبرت محكمة النقض أن محكمة الاستئناف خرقت مقتضيات الفصل 327-12 من ق.م.م عندما استبعدت مسطرة التحكيم بناء على حيثيات غير سليمة، وذلك بإساءة تأويلها لإرادة الطرفين.
3. تفسير عبارة “المحكمة المختصة” في سياقها التعاقدي الكلي:
حيث تصدى القرار لخطأ جوهري في التعليل أو التفسير وقعت فيه محكمة الاستئناف.
- السياق التعاقدي:
اعتبرت محكمة الاستئناف أن استخدام مصطلح “المحكمة المختصة” في رسالة الفصل يشير حصرا إلى القضاء العادي، وحيث صححت محكمة النقض هذا الفهم، مؤكدة أن تفسير أي مصطلح يجب أن يتم في ضوء الاتفاق الأصلي بين الطرفين.
- الشرط الصريح كمرجعية:
نظرا لوجود شرط تحكيمي صريح في العقد يحيل المنازعات إلى هيئة تحكيمية، فإن أي إشارة لاحقة إلى “المحكمة” يجب أن تفهم على أنها تشمل الهيئة التحكيمية، خاصة وأن الفصل 327-12 من قانون المسطرة المدنية ينص صراحة على أن “الهيئة التحكيمية تعتبر بمثابة محكمة” [4]، فإن دعوى الأجير للجوء إلى “المحكمة المختصة” هي دعوة للالتزام بالشرط التحكيمي وليست تنازلا عنه.
الآثار العملية للقرار:
يقدم هذا القرار توجيها قضائيا مهما له انعكاسات عملية، لعل من أهمها:
1. عدم التعارض:
لا يوجد تعارض بين الالتزام بمسطرة الفصل التأديبي (كقاعدة آمرة) والالتزام بالشرط التحكيمي (كقاعدة مكملة)، فالأولى تسبق الثانية زمنيا وموضوعيا.
2. وضوح الصياغة:
على المشغلين والمحامين والمستشارين القانونيين عند صياغة عقود الشغل التي تتضمن شرط تحكيم، أن يكونوا دقيقين في الإشارة إلى هيئة التحكيم المختصة في جميع المراسلات، بما في ذلك رسالة الفصل، لتجنب أي لبس أو تأويل تو تضارب في التفسير تيسيرا على القضاء المختص والأطراف.
3. توجيه الدعوى:
على المحامين المكلفين برفع دعاوى الفصل التأديبي مراجعة عقد الشغل بدقة لتحديد الجهة المختصة -تحكيم أم قضاء عادي- قبل مباشرة الدعوى، تفاديا للدفع بعدم الاختصاص وهدر الزمن القضائي.
4. حماية حقوق الأجراء:
يؤكد القرار أن حماية حقوق الأجراء لا تتحقق فقط من خلال الجهة التي تنظر النزاع، بل أولا من خلال ضمان تمسك المشغل بالضمانات الإجرائية الداخلية -مسطرة الفصل- التي هي درع واقي للأجير.
من خلال هذا القرار، تؤكد محكمة النقض على دورها في توحيد التفسير القضائي وبناء قواعد قضائية مستقرة، فهي لا تحترم إرادة الأطراف من خلال إلزامهم بالشرط التحكيمي فحسب، بل كذلك تحافظ على كفالة قواعد النظام العام المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة داخل المقاولة.
قائمة المصادر:
[1] النصوص القانونية:
– مدونة الشغل المغربية، المواد 62، 63، 64.
– قانون الالتزامات والعقود المغربي، الفصل 230 (قاعدة العقد شريعة المتعاقدين).
– قانون المسطرة المدنية المغربي (الباب المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية قبل التعديلات الأخيرة).
[2] المرجعية الفقهية:
الدكتور محمد الكشبور، “شرط التحكيم في عقود الشغل”، مجلة القضاء والتشريع، العدد 5.
· الأستاذ عبد اللطيف هابي، “التحكيم في منازعات الشغل بين إرادة الأطراف وقواعد النظام العام”، منشورات المجلة المغربية للتحكيم.
[3] الاجتهاد القضائي:
– قرار محكمة النقض -الغرفة الاجتماعية- رقم 3/518 ، الصادر بتاريخ 06 مايو 2025، في الملف الاجتماعي عدد غير مذكور بشكل كامل في الوثيقة (هو محل القراءة).
– قرارات سابقة لمحكمة النقض تؤكد على الطبيعة الآمرة لمسطرة الفصل التأديبي.
– قرار لمحكمة النقض رقم 236، الصادر بتاريخ 17 أبريل 2014، ملف اجتماعي رقم 1025/1/1/2012، الذي أكد على أن إخلال المشغل بمسطرة الفصل يجعله مسؤولا حتى ولو كانت الأخطاء ثابتة في حق الأجير.
[4] المبادئ العامة:
– مبدأ سلطان الإرادة.
– مبدأ عدم جواز الاتفاق على مخالفة قواعد النظام العام.
للاطلاع عل القرار القضائي: إضغط هنا