حق الدولة في العقاب: المبادئ والتداعيات
الدكتور محمد البغدادي
باحث في العلوم القانونية
جامعة عبد المالك السعدي بطنجة – المملكة المغربية
مقدمة:
ما من شك أن حق الدولة في العقاب مكفول دستوريا من خلال نهج شرعية التجريم والعقاب المنصوص عليها في مجموعة القانون الجنائي من خلال آلية السلطة القضائية، وذلك في ظل التحديات التي تفرضها السياسة الجنائية سواء تعلق الأمر بالاتجاه التقليدي أو الحداثي.
ويراد بحق الدولة في العقاب بأنه ترجمة وتنزيل لمبدأ الركن القانوني للجريمة الذي تمارسه النيابة العامة أمام محاكم المملكة لضمان العدل والعدالة على حد سواء.[1]
واعتبارا لأهمية حق الدولة في العقاب داخل النظام القضائي المغربي في شخص قضاة النيابة العامة التي تدافع وتترافع عن الحق العام وفق الإجراءات والتدابير المنصوص في قانون المسطرة الجنائية، فإن الإشكالية المحورية تتمثل فيمايلي: كيف يمكن للدولة أن توازن بين تطبيق حق الدولة وضمان حق
المحاكمة العادلة للمتهم؟.
وتحت هاته الإشكالية المركزية تتفرع عنها التساؤلات التالية: ماهي المبادئ الدستورية المؤطرة لحق الدولة في العقاب؟ وماهي تداعيات المبادئ الدستورية لحق الدولة في العقاب على المتهم؟.
ولمقاربة هذا الموضوع، ارتأينا الاعتماد التقسيم التالي:
المبحث الأول: المبادئ الدستورية المؤطرة لحق الدولة في العقاب
المبحث الثاني: تداعيات المبادئ الدستورية لحق الدولة في العقاب على المتهم
المبحث الأول: المبادئ الدستورية المؤطرة لحق الدولة في العقاب
من المؤكد أن حق الدولة في العقاب يندرج ضمن المنظومة الحقوقية بالمغرب، وذلك من خلال التطور الميداني الذي عرفه المغرب في مختلف المجالات من جهة، وحجم المخاطر والتهديدات التي تحد من تطور المملكة من جهة أخرى.
وعليه، سوف نعالج دسترة الركن القانوني للجريمة داخل الميثاق الحقوقي بالمغرب في المطلب الأول ومبدأ شرعية التجريم والعقاب وفق التشريع المغربي في المطلب الثاني.
المطلب الأول: دسترة الركن القانوني للجريمة داخل الميثاق الحقوقي بالمغرب
استقطب الركن القانوني للجريمة داخل الميثاق الحقوقي بالمغرب اهتمام صناع القرار السياسي والدارسين والباحثين والمهتمين بالشأن الديمقراطي والحقوقي والتنموي للمملكة، حيث أن الحديث عن الميثاق الحقوقي بالمغرب يقودنا إلى الحديث عن الحريات والحقوق الأساسية التي نظمها المشرع المغربي في الباب الثاني في الفصول من 19 إلى 40 من دستور 2011، وذلك تماشيا مع التحولات والمستجدات والتحديات الجارية في نظام دولي متعدد الأطراف، ومع تغيرات عولمة اقتصاد المعرفة، والتحديث السياسي والانتقال الديمقراطي، والتطور الاقتصادي والتأهيل الاجتماعي، والتقدم التكنولوجي والعلمي والتقني.[2]
المطلب الثاني: مبدأ شرعية التجريم والعقاب وفق التشريع المغربي
ينص المشرع المغربي في الفصل 23 من دستور 2011 على مايلي: ” لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته، إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون.
الاعتقال كل شخص تم اعتقاله، على الفور وبكيفية يفهمها، بدواعي اعتقاله وبحقوقه، ومن بينها حقه في التزام الصمت. ويحق له الاستفادة، في أقرب وقت ممكن، من مساعدة قانونية، ومن إمكانية الاتصال بأقربائه، طبقا للقانون. قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان. يتمتع كل شخص معتقل بحقوق أساسية، وبظروف اعتقال إنسانية. ويمكنه أن يستفيد من برامج للتكوين وإعادة الإدماج. يُحظَر كل تحريض على العنصرية أو الكراهية أو العنف. يُعاقب القانون على جريمة الإبادة وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وكافة الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الإنسان.”
وفي ذات السياق، يقضي الفصل 24 من الدستور نفسه على مايلي: لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة. لا تنتهك حرمة المنزل. ولا يمكن القيام بأي تفتيش إلا وفق الشروط والإجراءات، التي ينص عليها القانون.
لا تنتهك سرية الاتصالات الشخصية، كيفما كان شكلها. ولا يمكن الترخيص بالاطلاع على مضمونها أو نشرها، كلا أو بعضا، أو باستعمالها ضد أي كان، إلا بأمر قضائي، ووفق الشروط والكيفيات التي ينص عليها القانون.
حرية التنقل عبر التراب الوطني والاستقرار فيه، والخروج منه، والعودة إليه، مضمونة للجميع وفق القانون.”[3]
المبحث الثاني: تداعيات المبادئ الدستورية لحق الدولة في العقاب على المتهم
من المؤكد أن المبادئ الدستورية لحق الدولة في العقاب لها عدة تداعيات وانعكاسات قانونية وحقوقية تندمج في إطار التحديات المطروحة على الساحة الوطنية، بما في ذلك ارتفاع نسبة الجرائم المتطورة سواء تعلق الأمر بالمخاطر الأمنية المعاصرة أو الجريمة المنظمة.
وتبعا لذلك، سوف نعرج عن مظاهر الملاءمة الدستورية في التشريعي الجنائي المغربي في المطلب الأول وتوازن بين حقي الدولة في العقاب والدفاع عن المتهم في المطلب الثاني.
المطلب الأول: مظاهر الملاءمة الدستورية في التشريعي الجنائي المغربي
لتحقيق ملاءمة تتماشى مع مستوى الأنظمة الجنائية الحديثة وما وقف عليه الفقه الجنائي المعاصر من نظريات حديثة لتطوير أداء العدالة الجنائية، كان إلزاما على المشرع الجنائي مراجعة القانون الجنائي في شقه المسطري، وذلك ما كان بالفعل، عندما تم إقرار قانون 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، حيث جاء بمبادئ توافق المواثيق الدولية تزكية منه لنظام العدالة الجنائية والمحاكمة العادلة، ومن بين المبادئ الأساسية التي جاء بها، مبدأ قرينة البراءة الذي نصت عليه المادة الأولى من قانون 22.01 (كل متهم أو مشتبه فيه ارتكب جريمة يعتبر بريئا الى أن تثبت ادانته ……).[4]
المطلب الثاني: توازن بين ضمان الدولة في العقاب وحق الدفاع عن المتهم
من بين أهم المبادئ التي جاءت بهذه المنظومة الكونية والنظم الدستورية لتحقيق توازن بين ضمان الدولة في العقاب وحق الدفاع عن المتهم يمكن أن نشير خاصة إلى الآتي :
-ضرورة احترام الكرامة الإنسانية والمعاملة الحيادية والعادلة غير القائمة على أساس الجنس أو اللون أو العرق أو اللغة أو الدين أو العقيدة أو الرأي السياسي أو الانتماء إلى أقلية قومية أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر.
– أن يكون الهدف من المعاملة العقابية المحافظة على صحة السجين وحماية كرامته ، تنمية إحساسه بالمسئولية ، ومنح السجين الوسائل الضرورية لتأهيله اجتماعياً.
– ضرورة خضوع المؤسسات العقابية لتفتيش دوري من قبل سلطة مستقلة عن الإدارة العقابية.
– أن تسمح المؤسسات العقابية بالعزلة الليلية للسجناء وأن تراعي الاشتراطات الصحية خاصة من حيث كمية الهواء والمساحة المكانية المتاحة للسجين ، الإضاءة والتدفئة والتهوية. مع مراعاة أن تكون النوافذ من الاتساع بما يمكن المحكوم عليه من استخدام الضوء الطبيعي.
– وجوب قيام الإدارة العقابية باختيار موظفيها من بين العناصر ذات الكفاءة المهنية وذات القدرة الشخصية على العمل.
– وجوب الاستعانة بعدد كافي من الأخصائيين في مجال الطب والأمراض النفسية والعقلية وعدد كافي من الأخصائيين الاجتماعيين والتربويين.
– حظر اللجوء للقوة من قبل إدارة السجن تجاه المحكوم عليهم إلا في الحالات الاستثنائية ، كأن يكون ذلك للدفاع عن النفس أو منع المحكوم عليه من الفرار.
– حظر إخضاع المحكوم عليه للتجارب التي تمس بالتكامل الجسدى للإنسان ، كما يحظر إخضاعه للعقوبات الماسة بالكرامة أو اللاإنسانية.
– يجب على الإدارة العقابية أن تمكن للسجين فرص الاتصال بها.
– اعتماد مبدأ الشفافية مع السجين بأن تحدد الإدارة العقابية له أنماط السلوك المحظورة ، وأن تبصره بالعقوبات التأديبية التي يمكن أن توقع عليه في حالة مخالفة اللوائح الداخلية للسجن ، وأن تسمح له بالتظلم في حالة توقيع أحد العقوبات التأديبية عليه.[5]
الخاتمة:
وترتيبا على ماسبق ، يتضح أن حق الدولة في العقاب تندرج ضمن معايير المحاكمة العادلة في المواثيق الدولية والتقنين المغربي،حيث تبقى هناك تحديات تقف عاجزة تنزيلها على أرض الواقع، من قبيل ظهور جرائم لم يعتد عليها المجتمع الدولي كالإرهاب والجريمة الإلكترونية والجريمة المنظمة بشتى أشكالها،
وغيرها من التحديات والعراقيل التي وجب التصدي لها بكل قوة وحزم.
لائحة المراجع:
الكتب:
- مصطفى العوجي، دروس في العلم الجنائية، مطبعة دار النشر والمعرفة، طبعة :2000.
- فتوح عبد الله الشاذلي، علم الإجرام العام، مطبعة المعارف والنشر، طبعة:2017.
المجلات:
- أسامة صلاح محمد بهاء الدين، مكانة الإصلاح وإعادة التأهيل في السياسة الجنائية المعاصرة، مجلة الدراسات العليا، العدد4، 2023.
- فايزة زروقي، السياسة الجنائية المعاصرة بين أنسنة العقوبة وتطوير قواعد العدالة، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، العدد14 ، 2021.
- عيسات العمري، معوقات التنمية الاجتماعية بالمجتمع المحلي ورهانات الفعل التنموي، مجلة التنمية البشرية، العدد2، ديسمبر2016.
الإحالات:
[1] فتوح عبد الله الشاذلي، علم الإجرام العام، مطبعة المعارف والنشر، طبعة:2017، ص:23.
[2] عيسات العمري، معوقات التنمية الاجتماعية بالمجتمع المحلي ورهانات الفعل التنموي، مجلة التنمية البشرية، العدد2، ديسمبر2016، ص:163.
[3] مصطفى العوجي، دروس فيلا العلم الجنائية، مطبعة دار النشر والمعرفة، طبعة :2000، ص:54.
[4] أسامة صلاح محمد بهاء الدين، مكانة الإصلاح وإعادة التأهيل في السياسة الجنائية المعاصرة، مجلة الدراسات العليا، العدد4، 2023، ص: 5.
[5] فايزة زروقي، السياسة الجنائية المعاصرة بين أنسنة العقوبة وتطوير قواعد العدالة، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، العدد14 ، 2021، ص:291.