قراءة قانونية في قرار محكمة النقض بشأن السب والقذف العلني عبر الوسائط الرقمية
ملخص القرار:
المحكمة: محكمة النقض.
الملف الجنحي رقم: 19305/6/3/2019.
موضوع النزاع: تكييف عبارات منشورة عبر منصة “فيسبوك” كجريمة سب وقذف علني.
المبدأ المستخلص: تتحقق جنحة السب والقذف العلني عبر مواقع التواصل الاجتماعي بمجرد ثبوت إمكانية ولوج الغير للمحتوى وتفاعلهم معه، ولا يقدح في عنصر العلنية كون الحساب “مغلقاً” ما دام يضم عدداً من المتابعين.
أولاً: وقائع النازلة والسياق القضائي
تتلخص وقائع النازلة في إقدام طبيب (الطاعن) على نشر تدوينة عبر حسابه الشخصي على موقع “فيسبوك”، وجه من خلالها اتهامات لمدير مستشفى الحسن الأول بتيزنيت (المطلوب في النقض) مست شرفه المهني واعتباره الشخصي.
قضت المحكمة الابتدائية بإدانة الطاعن من أجل السب والقذف، وحكمت عليه بغرامة قدرها 10,000 درهم وتعويض مدني قدره 22,000 درهم، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف. طعن المحكوم عليه بالنقض، مؤسساً وسيلته على “قصور التعليل” بدعوى انتفاء ركن العلنية لخصوصية الحساب، وإخراج العبارات من سياقها النقابي والمهني.
ثانياً: القراءة التحليلية للقرار
1. التحول من البيئة المادية إلى البيئة الافتراضية
تعكس هذه النازلة الانتقال النوعي للجرائم التقليدية من الحيز المادي (الشارع، الإدارات) إلى الفضاء السيبراني. هذا الفضاء الذي، رغم افتراضيته، يحقق أركان الجريمة المادية بآثار واقعية ملموسة. فالعلنية هنا لم تعد تقاس بالحضور الجسدي للأشخاص، بل بمدى “قابلية الاطلاع” والانتشار الرقمي.
2. القيمة القانونية لمحضر معاينة المفوض القضائي
استند الطاعن إلى كون محضر المعاينة “انتقائياً”. وبالرجوع إلى المادة 15 من القانون 81.03 المنظم لمهنة المفوضين القضائيين، نجد أن المعاينة يجب أن تكون “مادية محضة مجردة من كل رأي”. من الناحية الأكاديمية، فإن محضر المعاينة في المادة المعلوماتية يثبت واقعة الوجود (Existence) والانتشار (Diffusion)، وتفنيد الدفع بـ “انتقائية المحضر” يجد سنده في أن المحكمة تملك سلطة تكييف العبارات الواردة فيه بمعزل عن السياق الذي يدعيه الطاعن ما دام القذف صريحاً.
3. إشكالية “العلنية” في الحسابات الخاصة (Private Accounts)
أثار الدفاع دفعاً جوهرياً مفاده أن حساب الطبيب “مغلق” ولا يرتاده إلا من أذن لهم، مما ينفي ركن العلنية. لكن محكمة النقض أقرت مقاربة واقعية؛ فالتفاعل (الإعجابات، التعليقات، والمشاركة) هو الدليل القاطع على خروج العبارات من حيز “المراسلة الخاصة” إلى “العلنية”. فمجرد اطلاع عدد من الأشخاص (أزيد من 500 متابع في هذه النازلة) يحقق الغاية من تجريم القذف، وهي المساس بالاعتبار لدى الغير. كما أن التقنيات الحديثة مثل “التقاط الشاشة” (Screenshot) تجعل من مفهوم “الحساب المغلق” حماية واهية أمام سرعة انتشار الخبر.
ثالثاً: التكييف القانوني وعناصر الجريمة
1. الركن المادي (السب والقذف)
بناءً على المادة 83 من قانون الصحافة والنشر (88.13)، قامت المحكمة بفرز العبارات:
-
السب: تمثل في أوصاف (ندل، بيدق، غير متزن، طاغية)، وهي تعابير شائنة تحقّر من الكرامة دون نسب واقعة محددة.
-
القذف: تجلى في إسناد وقائع محددة (رمز للفساد، مافيا الفساد، ابتزاز الضعفاء)، وهي ادعاءات تمس الشرف وتستوجب العقاب الجنائي لو صحت.
2. التحديد والدقة (La détermination)
يؤكد الفقه القانوني (ميلودي حمدوشي) أن “التحديد” شرط ضروري لقيام القذف. وفي النازلة، كان الشخص المستهدف “معيناً بذاته وصفته” (مدير المستشفى)، والوقائع المسندة إليه “محددة بدقة” (الابتزاز والاستيلاء على العقارات)، مما يجعل الركن المادي مكتملاً بصورة لا تدع مجالاً للشك.
3. الركن المعنوي (القصد الجنائي)
تحقق القصد هنا من خلال “العلم والإرادة”؛ فليس النشر فحسب هو الدليل، بل إن إصرار الطاعن على الرد على التعليقات بعبارات تؤكد وتزيد من حدة القذف يثبت نية الإضرار (Animus Injuriandi) وانتفاء حسن النية أو النقد المهني المجرد.
رابعاً: وجهة نظر حول التكييف (بين قانون الصحافة والقانون الجنائي)
يرى الباحث أن النازلة قد تتحمل التكييف وفق الفصل 2-447 من القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء (والمعدل لمجموعة القانون الجنائي فيما يخص حماية الحياة الخاصة)، والذي يعاقب على “بث أو توزيع ادعاءات أو وقائع كاذبة بقصد المس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم”.
ومع ذلك، فإن توجه المحكمة لاعتماد قانون الصحافة والنشر (باعتباره قانوناً خاصاً) يتماشى مع مبدأ “النص الخاص يقيد العام”، ولعل استبعاد الفصل 447-2 مرده أن العبارات انصبت على “الأداء المهني والوظيفي” للمشتكي أكثر من استهداف حياته الشخصية الحميمة، وإن كانت الحدود بينهما في هذه النازلة متداخلة جداً.
خاتمة:
إن قرار محكمة النقض رقم 256/3 يعد تكريساً لرقابة القضاء على المحتوى الرقمي، وتأكيداً على أن منصات التواصل الاجتماعي ليست فضاءات منفلتة من العقاب، وأن “الخصوصية الرقمية” تنتهي حيث يبدأ التشهير بالآخرين.
لائحة المصادر المعتمدة:
أولاً: النصوص التشريعية (المصادر)
- مجموعة القانون الجنائي: الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.59.413 بتاريخ 28 جمادى الثانية 1382 (26 نونبر 1962).
- القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر: الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.122 بتاريخ 6 ذي القعدة 1437 (10 أغسطس 2016)
- القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء: (المعدل والمتمم للقانون الجنائي فيما يخص التشهير والحياة الخاصة)
- القانون رقم 81.03 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين: الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.06.23 بتاريخ 15 من محرم 1427 (14 فبراير 2006).
ثانياً: المراجع الفقهية
- ميلودي حمدوشي: جنحة الصحافة في القانون المغربي “مقاربة قانونية” (باللغة الفرنسية)، طبعة سنة 2003 (يرجى مراجعة السنة، حيث ذكرت 2033 في النص الأصلي والصواب غالباً 2003).
-
-
Méloudi Hamdouchi, Le délit de presse en droit marocain: Approche juridique, 2003.
-
ثالثاً: الاجتهاد القضائي (القرارات والأحكام)
- محكمة النقض: القرار رقم 256/3، الصادر بتاريخ 17 فبراير 2021، في الملف الجنحي رقم 19305/6/3/2019 (غير منشور).
- المحكمة الابتدائية بتيزنيت: الحكم رقم 17، الصادر بتاريخ 06/06/2018 (الغرفة الجنحية).
- محكمة الاستئناف بأكادير: القرار الصادر عن غرفة الاستئنافات الجنحية بتاريخ 19/06/2019 في القضية عدد 297/2018.
إعداد: يوسف بنشهيبة
باحث في العلوم الجنائية والأمنية