كرة القدم وتأثيرها على البُعد السوسيو-اقتصادي والمالي: دراسة تحليلية مقارنة نموذج المغرب
الدكتورة سمية بومروان
باحثة في القانون العام والعلوم السياسية الاقتصادية والمالية
الملخص:
يهدف هذا المقال إلى تحليل كرة القدم باعتبارها ظاهرة سوسيو-اقتصادية ومالية متكاملة، تتجاوز حدود الممارسة الرياضية لتصبح أداة مؤثرة في مسارات التنمية الاقتصادية، والاندماج الاجتماعي، وتدبير المالية العامة. ويعتمد المقال مقاربة تحليلية مقارنة، تسعى إلى إبراز الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والمالية لكرة القدم، مع التركيز على إشكالية الحكامة والاستدامة في تنظيم البطولات الكبرى. كما يتناول بالدراسة التجارب الدولية المختلفة، مبرزًا عوامل النجاح والإخفاق في تحويل الأحداث الرياضية الكبرى إلى رافعة تنموية مستدامة. وفي هذا الإطار، يحلل المقال النموذج المغربي في سياق تنظيم كأس الأمم الإفريقية والاستعداد لاحتضان كأس العالم، مبرزًا خصوصية المقاربة المغربية القائمة على التخطيط الاستراتيجي، الاستثمار في البنية التحتية، وترشيد النفقات العمومية. ويخلص المقال إلى أن كرة القدم يمكن أن تشكل أداة فعالة للتنمية السوسيو-اقتصادية والمالية، شريطة اعتماد حكامة رشيدة، ورؤية طويلة الأمد توازن بين الأهداف الاجتماعية والاعتبارات الاقتصادية.
الكلمات المفتاحية:
كرة القدم؛ التنمية السوسيو-اقتصادية؛ الحكامة المالية؛ الأحداث الرياضية الكبرى؛ النموذج المغربي.
المقدمة:
لم تعد كرة القدم في العصر الحديث مجرد ممارسة رياضية أو وسيلة للترفيه الجماهيري، بل تحولت إلى ظاهرة عالمية مركّبة ذات أبعاد سوسيو-اقتصادية ومالية متداخلة. فقد أضحت صناعة قائمة بذاتها، تستقطب استثمارات ضخمة، وتؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في السياسات العمومية، وتوجيه الموارد المالية، ودينامية التنمية داخل الدول. كما باتت البطولات الكبرى، وعلى رأسها كأس الأمم القارية وكأس العالم، أدوات استراتيجية توظفها الدول لتعزيز موقعها الاقتصادي وتحسين صورتها الدولية، واستقطاب الاستثمار والسياحة.
وتتجلى الأهمية الاقتصادية والمالية لكرة القدم من خلال ما تتطلبه التظاهرات الكبرى من استثمارات في البنية التحتية الرياضية واللوجستية، وما تخلقه من حركية اقتصادية تشمل قطاعات السياحة والنقل والإعلام والخدمات، فضلًا عن تأثيرها على سوق الشغل والمالية العامة. غير أنّ هذه الآثار ليست دائمًا إيجابية أو مستدامة، إذ أظهرت تجارب دولية متعددة أن غياب التخطيط الاستراتيجي والحكامة الرشيدة قد يحوّل هذه التظاهرات إلى عبء مالي طويل الأمد بدل أن تكون رافعة للتنمية.
في هذا السياق، تكتسي الحالة المغربية أهمية خاصة، في ظل تنظيم كأس أمم إفريقيا، والاستعداد المشترك لاحتضان كأس العالم 2030، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة كرة القدم على الإسهام في تحقيق تنمية سوسيو-اقتصادية ومالية مستدامة، وحول الشروط المؤسسية والميزانياتية الضرورية لتحويل الحدث الرياضي إلى مشروع تنموي وطني متكامل.
وانطلاقا من هذا يمكن طرح الإشكالية التالية:
إلى أي حد تؤثر كرة القدم، ولا سيما من خلال تنظيم البطولات الكبرى، على الأبعاد السوسيو-اقتصادية والمالية للدول، وما مدى قدرة النموذج المغربي على توظيف هذه التظاهرات كرافعة للتنمية المستدامة مقارنة بالتجارب الدولية؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية مقارنة، وتقسم إلى مبحثين رئيسيين:
حيث سوف نعمل في المبحث الأول: علي دراسة الأبعاد السوسيو-اقتصادية والمالية لكرة القدم، أما في المبحث الثاني: سنتطرق الي المقاربة المقارنة ونموذج المغرب في أفق تنظيم كأس العالم.
المبحث الأول: الأبعاد السوسيو-اقتصادية والمالية لكرة القدم
يهدف هذا المبحث إلى مقاربة كرة القدم بوصفها ظاهرة متكاملة تتجاوز حدود الممارسة الرياضية، لتغدو بنية اجتماعية واقتصادية ومالية ذات تأثير عميق في المجتمعات المعاصرة. وقد أفضى تحوّل كرة القدم إلى صناعة عالمية إلى إعادة تشكيل علاقات اجتماعية واقتصادية جديدة، وإنتاج موارد مالية ضخمة تستدعي أطرًا حديثة للتدبير والحكامة.
حيث سوف نعالج في المطلب الاول من هذا المبحث البعد السوسيو-اقتصادي لكرة القدم بين الاندماج الاجتماعي والتنمية، كما سننتقل الي المطلب الثاني لدراسة البعد المالي لكرة القدم وإشكالية الحكامة.
المطلب الأول: البعد السوسيو-اقتصادي لكرة القدم بين الاندماج الاجتماعي والتنمية
تلعب كرة القدم دورًا اجتماعيًا محوريًا باعتبارها فضاءً جامعًا لمختلف الفئات الاجتماعية، ومصدرًا لبناء الهوية والانتماء الجماعي. ويؤكد ريتشارد جوليانوتي أنّ كرة القدم تُسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي، خاصة في المجتمعات التي تعرف تفاوتات مجالية أو تحولات اجتماعية عميقة، حيث تشكل المباريات والمنتخبات الوطنية رموزًا للوحدة والاندماج الاجتماعي¹.
اقتصاديًا، تمثل كرة القدم محرّكًا مهمًا للنشاط الاقتصادي، إذ يؤدي تنظيم المباريات والتظاهرات الكبرى إلى تنشيط قطاعات حيوية مثل السياحة والفندقة والنقل والتجارة. كما تُسهم في خلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، لاسيما على المستوى المحلي. ويشير روبرت باد وفيكتور ماثيسون إلى أنّ الأثر الاقتصادي يكون أكثر وضوحًا في المدن المستضيفة، حيث يرتفع الطلب والاستهلاك خلال فترات المنافسات². غير أنّ هذه الآثار الإيجابية تظل رهينة بإدماج كرة القدم ضمن رؤية تنموية شاملة تتجاوز منطق الحدث الظرفي إلى منطق الاستدامة.
المطلب الثاني: البعد المالي لكرة القدم وإشكالية الحكامة
إلى جانب بعدها السوسيو-اقتصادي، تُعد كرة القدم قطاعًا ماليًا معقّدًا يتميز بتدفقات مالية ضخمة تشمل التمويل العمومي للبنية التحتية، والاستثمارات الخاصة، وعائدات حقوق البث والرعاية والتسويق. ويؤكد ستيفان شيمانْسكي أنّ كرة القدم الاحترافية تعاني اختلالات مالية بنيوية ناتجة عن الإنفاق المفرط للأندية في سبيل تحقيق النتائج الرياضية، ما يؤدي إلى ارتفاع المديونية وتهديد الاستدامة المالية³.
كما يشير أندرو زيمبالست إلى أنّ تنظيم البطولات الكبرى قد يشكل عبئًا على المالية العامة إذا لم تُراعَ الموازنة الدقيقة بين الكلفة والعائد، خاصة عندما تُبالَغ في تقدير المنافع الاقتصادية ويتم التقليل من حجم النفقات الحقيقية⁴. وأمام هذه التحديات، تبرز الحكامة المالية شرطًا أساسيًا لضمان استدامة كرة القدم، من خلال تعزيز الشفافية، وضبط النفقات، وتحديد أدوار التمويل العمومي والخاص.
ويُستخلص من هذا المبحث أنّ كرة القدم تمثل منظومة متكاملة ذات أبعاد سوسيو-اقتصادية ومالية مترابطة، قادرة على الإسهام في التنمية إذا ما أُحسن تدبيرها، لكنها قد تتحول إلى مصدر لاختلالات في حال غياب التخطيط والحكامة، وهو ما يمهّد للانتقال إلى المقاربة المقارنة ودراسة النموذج المغربي.
المبحث الثاني: المقاربة المقارنة ونموذج المغرب في أفق تنظيم كأس العالم
يروم هذا المبحث تحليل التجارب الدولية في تنظيم البطولات الكروية الكبرى واستخلاص الدروس المستفادة منها، قبل الانتقال إلى دراسة خصوصية النموذج المغربي ورهاناته الاستراتيجية، وذلك في أفق تنظيم كأس العالم.وبهذا سوف نعمل علي تقسيم هذا المبحث الي مطلبين، حيث سنتطرق في المطلب الاول الي الدروس المستخلصة من التجارب الدولية، اما المطلب الثاني سوف نقدم فيه النموذج المغربي ورهانات التحضير لكأس العالم.
المطلب الأول: الدروس المستخلصة من التجارب الدولية
تُظهر التجارب الدولية تباينًا واضحًا في نتائج تنظيم البطولات الكبرى. فمن الناحية الاقتصادية، تستفيد الدول المضيفة عادة من ارتفاع الطلب الكلي خلال فترة التنظيم نتيجة تزايد الإنفاق السياحي وانتعاش قطاعات النقل والفندقة والإعلام. غير أنّ هذه المكاسب غالبًا ما تكون ظرفية، ولا تتحول إلى نمو مستدام إلا إذا أُدرجت ضمن سياسات تنموية أوسع².
ماليًا، تتحمل الدول أعباء كبيرة تشمل تشييد الملاعب وتطوير شبكات النقل وتعزيز البنية الحضرية، فضلًا عن النفقات الأمنية والتنظيمية. ويؤكد زيمبالست أنّ العديد من الدول بالغت في تقدير العوائد وقللت من حجم التكاليف، ما أدى إلى عجز مالي وارتفاع المديونية⁴. في المقابل، نجحت دول مثل ألمانيا بعد كأس العالم 2006 في تحويل البنيات التحتية إلى مرافق متعددة الاستعمالات، بينما واجهت دول أخرى صعوبات في استغلال الملاعب التي تحولت إلى عبء مالي دائم.
المطلب الثاني: النموذج المغربي ورهانات التحضير لكأس العالم
يعتمد المغرب مقاربة تدريجية تقوم على ربط كرة القدم بالتنمية الشاملة، وعدم فصل التنظيم الرياضي عن السياسات العمومية. ويُنظر إلى تنظيم كأس أمم إفريقيا والاستعداد لكأس العالم 2030 كجزء من مشروع وطني يهدف إلى تطوير البنية التحتية الرياضية والحضرية، وتعزيز السياحة، وتحقيق تنمية مجالية متوازنة، مع إشراك القطاع الخاص وترسيخ مبادئ الحكامة.
وقد استثمر المغرب في تحديث وتشييد ملاعب بمعايير دولية، مع الحرص على قابليتها للاستعمال المتعدد بعد البطولات، بما يحدّ من أعباء الصيانة ويضمن مردودية اقتصادية مستدامة. كما ترافق ذلك مع تطوير شبكات النقل والمطارات والبنيات الفندقية، وهو ما يُسهم في رفع جاذبية الاستثمار والسياحة. وتُبرز التجربة المغربية في تنظيم كأس أمم إفريقيا إشادات دولية بقدرة المملكة على الموازنة بين جودة التنظيم والانضباط الميزانياتي، ما يعزز الثقة في قدرتها على إنجاح الاستحقاقات الكبرى المقبلة⁵.
خاتمة:
خلصت هذه الدراسة إلى أنّ كرة القدم لم تعد نشاطًا رياضيًا فحسب، بل أضحت أداة سوسيو-اقتصادية ومالية ذات تأثير عميق على مسارات التنمية. وقد بيّنت المقاربة المقارنة أنّ تنظيم البطولات الكبرى يمكن أن يشكّل رافعة حقيقية للنمو إذا ما توفرت شروط التخطيط الاستراتيجي والحكامة الرشيدة واستثمار الإرث لما بعد الحدث.
وفي هذا الإطار، يبرز النموذج المغربي كحالة واعدة تسعى إلى تحويل تنظيم البطولات إلى مشروع تنموي طويل الأمد، يعزز البنية التحتية، ويقوي الاقتصاد الوطني، ويحسن صورة المغرب دوليًا. ويظل نجاح هذا المسار رهينًا بالاستمرار في ترسيخ الاستدامة المالية، وتعزيز التنسيق المؤسسي، وربط الرياضة بالتنمية الشاملة.
لائحة المراجع:
1- جوليانوتي، ريتشارد
سوسيولوجيا كرة القدم (Football: A Sociology of the Global Game).
كامبريدج: دار بوليتي برس (Polity Press)، المملكة المتحدة، 2012.
2- باد، روبرت؛ ماثيسون، فيكتور
«الآثار الاقتصادية للأحداث الرياضية الكبرى» (The Economic Impact of Major Sporting Events).
مجلة الاقتصاد الرياضي (Journal of Sports Economics)، المجلد 5، العدد 3، الولايات المتحدة الأمريكية، 2004.
3- شيمانْسكي، ستيفان
اقتصاد كرة القدم (The Economics of Football).
لندن: دار بالغراف ماكميلان (Palgrave Macmillan)، المملكة المتحدة، 2010.
4- زيمبالست، أندرو
اقتصاد الرياضة: التكلفة الحقيقية لتنظيم الأحداث الرياضية الكبرى
(Circus Maximus: The Economic Gamble Behind Hosting the Olympics and the World Cup).
واشنطن/بروكلين: دار بروكينغز إنستيتيوشن برس (Brookings Institution Press)، الولايات المتحدة الأمريكية، 2015.
5- برايوس، هولغر
«إرث الأحداث الرياضية الكبرى: بين الجدوى الاقتصادية والاستدامة»
(The Legacy of Mega Sporting Events).
المجلة الأوروبية للدراسات الرياضية (European Sport Management Quarterly)، المجلد 11، العدد 3، ألمانيا، 2011.
6-الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)
التقارير الرسمية حول الأثر الاقتصادي لكأس العالم.
زيورخ: الاتحاد الدولي لكرة القدم، سويسرا، تقارير دورية (2006–2023).
7-الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA)
تقارير الاستدامة المالية لكرة القدم الأوروبية.
نيون: الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، سويسرا، تقارير سنوية (2010–2023).